Skip to content

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Printed page ٢٦٢/ ٣

ضيافة جابر للمصطفى ﵊ وما فيها من المعجزة

قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في غزوة الأحزاب وهو يسوق بسنده إلى جابر ﵁ وأرضاه، قال جابر: ﴿بينما نحن مع رسول الله ﷺ في الأحزاب إذ عرضت لنا كدية -أي صخرة وهم يحفرون الخندق- قال: فشكونا إلى رسول الله ﷺ، فنزل ﵊ إلى الخندق بمعولٍ بيده، وعلى بطنه حجرٌ مربوطٌ من الجوع ﵊، قال: فلما رأيت آثار الجوع في بطنه ﵊، ذهبت إلى أهلي، وقلت: هل عندكم من شيء؟ قالت: عناق وشيءٌ من شعير، فَذبحتُ العناق وطحنت هي الشعير وعجنته، ثم ذهبت إلى الرسول ﵊، فأخبرته الخبر وقلت: يا رسول الله! تعال أنت واثنين معك، قال: فلما انتهيت من كلامي لرسول الله ﷺ -وكان قد ساره الخبر لئلا يشعر الناس- نادى ﵊ في أهل الخندق، وقال: يا أيها الناس! إن جابراً صنع لكم طعاماً فحيهلاً بكم -وكانوا مئات من الصحابة من المهاجرين والأنصار، وبلغوا من المجاعة مبلغاً عظيماً الله أعلم به- فلما سمعوا الخبر ألقوا المساحي من أيديهم والمكاتل وهرعوا إلى الصوت زرافات ووحداناً.

وانطلق أمامهم مربي البشرية، ومعلم الإنسانية ﷺ قال جابر: فأتاني من الحياء ما الله به عليم.

فدخل ﵊ وقال: يا جابر! أين اللحم؟ قلت: يا رسول الله! في البرمة قال: وأين العجين؟ قلت: هذا هو يا رسول الله، فبصق ﵊ فيه -بصقاً مباركاً طيباً ألذ من العسل المصفى، وأحلى من الشهد، ودعا الله ﷿ وسمى- ثم قال: يا جابر! أدخل الناس عليَّ عشرة عشرة﴾ فأخذ الصحابة يدخلون عشرة عشرة والرسول ﵊ صاحب الضيافة في هذا اليوم يدخلهم ويدنيهم ﷺ، فكلما أكل عشرة قاموا وأتى عشرة، ثم يقوم العشرة فيأتي عشرة، فدخل هذا العدد الكثير، وهو عدد جيشٍ ضخم يريد أن يرد كيد المعتدين عن المدينة المنورة، فلما انتهوا نظر ﵊ إلى اللحم كما هو لم ينقص شيئاً، وإذا بالشعير بحاله لم ينقص شيئاً.

لو لم تكن فيه آياتٌ مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر

ثم قال: ﴿يا جابر! تعال كل، قال: فدنوت فالتفت إليَّ رسول الله ﷺ وهو يتبسم وقال: أشهد أني رسول الله، فيقول جابر: أشهد أنك رسول الله، فيقول: يا جابر! كل أنت وأهلك واقسم لجيرانك -أو كما قال ﵊ قال جابر: فقسمنا على جيراننا، فوالذي نفسي بيده لقد باتوا على خبزٍ ولحمٍ في تلك الليلة﴾ وقد ذكر الله ﷿ هذه الغزوة وعلق عليها، وندد في كتابه بالمعتدين، وأخبر أنه قطع دابرهم، وفل شوكتهم، وأنه كفى المؤمنين القتال.

قال جل ذكره وهو يتحدث في سورة الأحزاب عن ساعة الصفر التي بلغها الرسول ﷺ والصحابة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:٩ - ١١] ثم يتحدث الله ﷿ عن المنافقين: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢].