دروس الشيخ عائض القرني
شرح ألفاظ حديث الإخراج من النار
ووزن شعيرة يقول ابن حجر: كأن الشعيرة في بعض البلاد أكبر من البرة؛ لأنها قدمت هنا، وهذه مقاييس هي عند الله ﷿، لكن الرسول ﷺ يقربها للأذهان، ولذلكم يقول ﷾: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ليقربها إلى أذهان الناس.
ويقول الله ﷾: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧] فأتى النبي ﷺ بهذا البيان، تقريباً للأذهان.
قال ﷺ: ﴿ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن برة من خير﴾ والبرة قالوا: أقل من الشعيرة، وهذا فيه دليل على أن الأعمال تتفاضل، بتفاضل ما في القلوب وبعض الناس يقف بالصف بجانب صاحبه يصليان، وراء إمام واحد، في مكان واحد، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، كما قال أهل العلم.
هذا في قلبه إيمان وإخلاص ومحبة وشوق، والبعيد في قلبه نفاق ورياء وسمعة، فيفاوت الله ﷿ بين الصلاتين، كما بين السماء والأرض، ويحاسب الله العباد على ما في القلوب من الأعمال، ولذلك يقول ﷾: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:١٠] ويقول ابن مسعود: [[الله الله في السرائر اللاتي هن خَوَافٍ على الناس، وهن باديات على الله ﷿: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]]].
فالمقصود أن المسلم يهتم بالقلب أكثر مما يهتم بعمل الجوارح، ولذلك طلب أهل السنة كـ ابن رجب وغيرهم من أهل العلم: أن يجتهد المؤمن في تصحيح قلبه، أكثر مما يجتهد في الأعمال الظاهرة، يقول ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩].
﴿ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير﴾ يقول ابن عباس ﵄: [[إذا وضعت يدك في التراب، ثم نفضتها فخرج منها شيء فهو الذر]] وقال ابن حجر: الذر هو الشيء الذي لا يرى بالعين المجردة، ولكن يرى في ضوء الشمس؛ وقال غيره: الذرة هي هذه الحشرة الصغيرة التي ترى وتمشي وتسمى عند الناس (ذرة) لكن سواء كان بهذا المفهوم أو هذا، أو أقل مقدار يعرفه الناس، يحاسب الله العبد به يوم القيامة.
أتى أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: ﴿يا رسول الله، هل في الحمر زكاة؟ فقال ﷺ: ما أنزل علي إلا هذه الآية الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]﴾ فكل ذرة يعملها المسلم يلقاها عند الله ﷿، فبكى الأعرابي وولول وهو يقول: أنحاسب على الذرة.