Skip to content

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Printed page ١٩٨/ ٤

صور من التبشير

يا أخي! يا تلميذ محمد ﵊، يا جنديه في معترك الحياة! صح عنه ﵊ أنه نزل في الخندق في جوع ومجاعة، وربط على بطنه حجرين فأخذ المعول ليضرب الصخرة في وقت الأزمة الذي وصفه الله- ﷿ بأنه: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١].

نزل ﵊ ليحفر والأحزاب تتجمع لغزو المدينة والكفر طغى والظالم اعتدى، فيضرب ﵊ بالمعول، فيبرق بارق فيبتسم ﵊ ويقول: ﴿أريت قصور كسرى وقيصر وسوف يفتحها الله علي﴾ فيتغامز المنافقون ويضحك اللاعبون، ويقولون: الواحد منا ما يجترئ من الخوف أن يبول، وهذا يريد أن يفتح قصور كسرى وقيصر، فقال الله عنهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢] وبعد خمس وعشرين سنة يفتح أصحابه الدنيا، ويحكمون الدهر، وتنصت لهم المعمورة، ويصفق لهم التاريخ.

أيضاً: يقول الله ﷾ لرسوله ﵊ وهو في مكة: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥] وهذه بشرى النصر، ويقول ﷾ لرسوله ﵊: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [فصلت:٥٣] وأراهم الله آياته في الآفاق، وعلم رسوله ﵊ تلكم الآيات.

أيضاً وقف ﵊ يقول لأصحابه في مكة والحديث في الصحيحين من حديث صهيب: ﴿والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الدين حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه﴾ وحدث هذا.

وفي السيرة لابن إسحاق يقول ﵊ وهو يطرد من مكة ويطرد من الطائف وتسيل أعقابه بالدماء ويتلفت إلى الناصر المعين إلى الله، ثم يقول: ﴿يا زيد إن الله جاعل لهذا الأمر فرجاً ومخرجاً﴾ ويحدث هذا الفرج والمخرج وينتصر ﵊، ويحكم الجزيرة العربية بمنهج رباني، بل ثلاثة أرباع الكرة الأرضية.

وفي القرآن نهي مطلق عن التنفير، ونهي مطلق عن الحزن، ونهي مطلق عن اليأس والقنوط، قال أهل التربية: وهو اليأس قتل للإرادة.

ولما ذكر أبو إسماعيل الهروي في منازل السائرين قال: ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] منزلة الحزن، قال ابن القيم: هذا خطأ ليس من منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] منزلة الحزن، ولم يأمر به ﷾ ولم يرضه، وكان الرسول ﵊ يستعيذ الله من الحزن، فيقول: ﴿اللهم إني أعوذ بك من الهم والغم، وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من البخل والجبن﴾ أو كما قال ﵊.

قال ﷾: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧] وقال ﷾ لرسوله ﵊: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف:٦] والبخع عند العرب هو قطع النخاع بشيء حاد، فيقول: لعلك تمزق دماغك حزناً عليهم، أنت منهي أن تحزن، لست عليهم بمصيطر، لست عليهم بوكيل، بلغ دعوتك ولا تكن فظاً، لا تجرح الهيئات، ولا الأشخاص، ولا الأجناس، ولا تكن عدواً للأمة، ولكن كن حبيباً للقلوب.

أيضاً: نهى ﷾ الأمة نهياً مطلقاً، فقال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] قال سيد ﵀ في الظلال: نحن الأعلون سنداً، والأعلون متناً، والأعلون منهجاً، والأعلون إرادة إلى آخر تلك الأعلون التي هي كالدرر جمعها أثابه الله.