دروس الشيخ عائض القرني
معاشرة النبي ﷺ مع أهله
يقول: ذهبتُ ليلة من الليالي عند خالتي ميمونة، وهي زوجة رسول الله ﷺ؛ لأن الرسول ﷺ كان له تسع نسوة مجتمعات، كل امرأة يجعل لها رسول الله ﷺ ليلةً من لياليه المباركة الخالدة؛ يعلمهن مما علمه الله، وينشر لهن السنة لينشرنها في نساء الأمة.
فعلم ابن عباس أن هذه الليلة ليلة خالته ميمونة فأخذ نفسه وذهب وسبق الرسول ﵊ بعد صلاة العشاء، ودخل وهو لا يريد النوم ولا العشاء، ولكن يريد قوت القلوب والأرواح، يوم أن تتغذى القلوب والأرواح بغذاءٍ لا يشبه غذاء الناس، ولذلك يقول الألبيري:
فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت ولا شربتا
فقوت الروح: الهداية، والذكر، وآيات الله البينات، وأحاديث رسول الله ﷺ الواضحات.
وعلم ابن عباس أن خالته حائض؛ وهي في الروايات التي وردت صحيحة، حائضٌ لا يمكن أن يقربها تلك الليلة ﷺ.
فأتى في فراش ميمونة خالته، فنام في عرض الفراش، ودخل ﷺ في الليل فالتفت فرأى ابن عباس، وعرف ابن عباس، وقال: ﴿نام الغُلَيم؟﴾ أي: نام الغلام، ولكن الغليم كلمة تَحَبُّبّ، ويصغر الاسم للتحبب، وللتعظيم، وللتصغير، وللتهويل، وهذا للتحبب، قالت ميمونة على حد ما ترى: ﴿نام يا رسول الله﴾ وهو لم ينم:
نامت الأعين إلا مقلةٌ تذرف الدمع وترعى مضجعكْ
فهو يريد العلم، ويريد أن ينتبه لما يقول ﷺ، فيسمع هذه المحادثة؛ لأنه نقلها للناس.
فقرب ﵊ من الفراش وأتى يحدث ميمونة ساعة، يقول ساعة على حسابه الزمني:
وفيه العشرة مع الأهل، وحسن الخلق، ومحادثة الأهل، وهذه من سنته ﷺ، ولا يعتذر المعتذر بكثرة أشغاله، ولا أعماله، ولا ضيوفه، ولا ٠٠٠، فأكثر الناس عليهم أشغال وأعمال، ومحمد ﷺ لم يشغله ذلك عن محادثة أهله ﷺ، فلما حادثهم نام ﵊ ولكن ابن عباس لم ينم.
فقال ابن عباس: ﴿فنام ﷺ حتى سمعت غطيطه﴾ والمقصود أنه ﷺ نامت عيناه، أما قلبه فما نام، فقلبه يسبح، وقلبه مع ربه ﷾، ولذلك إذا نام لا ينتقض وضوءه.
ويقوم من النوم ﷺ ويذهب إلى المسجد، فتقول عائشة ﵂: ﴿يا رسول الله! إنك نمت؟ قال: يا عائشة! إنها تنام عيناي ولا ينام قلبي﴾ وكان ربما حدث ﷺ في نومه بالآيات، فقام يقرأها على لسانه، ورؤياه ﷺ حق كفلق الصبح، فإذا رأى رؤيا تقع، حتى أنه يقول قبل معركة أحد، وهو يستقرئ الأنباء للصحابة ويقول قبلها بليلة بعد أن صلى الفجر، وبعد صلاة الفجر سوف تبدأ المعركة صباح السبت، وسوف يبدأ الالتحام مع أبي سفيان في معركة أحد، قال: ﴿رأيت البارحة كأن ثلماً أصاب سيفي، وكأن بقراً تنحر، وكأني أدخلت يدي في درعٍ حصينة، قالوا: يا رسول الله! ما أوَّلت ذلك؟ قال: أما الثلم في سيفي -كُسْر، وهو في الذبابة، في رأس السيف- فهو رجلٌ من أهل بيتي يقتل، وأما البقر التي تنحر؛ فهؤلاء المؤمنون يصابون ويستشهدون في سبيل الله، وأما أنني أدخلت يدي في درعٍ حصينة؛ فهي المدينة ندخل فيها وتحصننا بإذن الله﴾ وبدأت المعركة وقُتل حمزة، وكان من أول من قتل في المعركة حتى وقف ﷺ عليه وتغيظ كثيراً وبكى كثيراً وحلف ليمثلن منهم بسبعين، واستشهد من المسلمين سبعين، ودخل في الأخير ﷺ المدينة.