Skip to content

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Printed page ١٩٠/ ٨

إنكار أبي بكر على الجاريتين

﴿فاضطجع رسول الله ﷺ على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني﴾ وكان أبو بكر رجل فيه حدة، حتى يقول عمر: [[كنت أراعي حدة في أبي بكر]] وقد علم الله إخلاصه وصدقه وإنابته وعبوديته، فرفعه فأصبح أفضل أمة محمد ﷺ؛ ولذلك يقول عمر: [[لما ذهبنا إلى سقيفة بني ساعدة -لما مات ﷺ وخفنا أن يختلف الناس علينا؛ زورت كلاماً في صدري، لأخطب في الأنصار به، وخفت أن يسبقني أبو بكر؛ لأنه كان مشغولاً وما تهيأ أبو بكر، قال: فلما جلسنا أردت أن أتكلم وكنت أراعي حدة في أبي بكر، فلما أردت الحديث رفض أبو بكر ﵁ واعترض على عمر قال: فتكلم فوالله ما ترك كلمة زورتها في صدري إلا أتى بأحسن منها!]] وهو من أخطب خطباء العرب على الإطلاق، ومن أنسب أنسابهم ومن أفصح فصحائهم، اسمعوا إلى الكلمة اللينة، الأنصار في سقيفة بني ساعدة هموا بالاختلاف، وسبب اجتماعهم أنهم يريدون أن يكون الخليفة من الأنصار، وسعد بن عبادة كأنه الرجل المتوج للخلافة، فكأنهم يشيرون ويلوحون ولا يصرحون بتسليم الخلافة له، فلما أتى أبو بكر اندفع في الكلام وقال: [[يا معشر الأنصار! نحن الأمراء وأنتم الوزراء، قدمنا الله في القرآن وثنى بكم، نحن أقرب إلى الرسول ﷺ نسباً وأقرب داراً والعرب لا تجتمع لحي إلا لحينا، ثم قال: يا معشر الأنصار! جزاكم الله عنا خير الجزاء، واسيتم وكفيتم وآويتم]].

ذكر ذلك الإمام الشافعي يقول: حدثني الثقة أن أبا بكر قال في سقيفة بني ساعدة: واسيتم وكفيتم وآويتم، والله ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال طفيل الغنوي:

جزى الله عنا جعفراً حين أشرفت بنا نعلنا في الشارفين فزلت

هم خلطونا بالنفوس وألجئوا إلى غرفات أدفأت وأظلت

أبوا أن يملونا ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملت

فلما سمعوا هذا الكلام بايعوا أبا بكر بالخلافة ﵁ وأرضاه.

الشاهد هو في حدة أبي بكر، حتى يقول ﵁ وأرضاه في اليوم الثاني من توليه الخلافة، الذي كان إعلاناً عاماً وخطبة عامة وبياناً عاماً للمسلمين في توليه الخلافة؛ لأنه في اليوم الأول لم يستطع أن يتكلم ﵁ وأرضاه، فقد انصدع من البكاء على المنبر، تذكر الرسول ﷺ وتذكر تلك الأيام والذكريات فما استطاع أن يتكلم، فقام عمر ﵁ فتكلم كلمة أبي بكر في اليوم الأول، ومجد أبا بكر وذكر مناقبه.

وفي اليوم الثاني تكلم أبو بكر وقال: [[يا أيها الناس: إن لي شيطاناً يأتيني -وكل إنسان له شيطان- فالله الله لا أمسَّن أبشاركم]] (أي لا أضربكم) يخاف من الحدة أن ينال منهم ﵁ وأرضاه.

وفي كنز العمال منسوباً إلى السير: أنه ﵁ وأرضاه جاءته إبل الصدقة يريد أن يوزعها في مصارفها، فقال لرجل من الناس: لا يدخل علي أحد ثم قال: يا عمر! ادخل معي.

فدخل عمر ﵁ وأما هذا الحارس فغفل، فدخل أعرابي بخطام معه، فقال أبو بكر ﵁: من أدخلك؟ وأخذ الخطام وضربه، فقال: اعطني من مال الله الذي عندك، فقال أبو بكر: أستغفر الله، اقتص مني.

قال عمر: والله لا يقتص منك.

قال: لماذا؟ قال: تجعلها سنة، كلما أدبنا أحد أو عزرنا أحد قال: أقتص منكم!! لكن أعطه من المال؛ فأعطاه ناقة وأخرجه من إبل الصدقة.

تقول عائشة: ﴿فانتهرني﴾ أبو بكر -له أن ينتهرها لأنها ابنته- حتى في الصحيح أنه ﷺ تأخر عن الناس في صلاة العشاء فمر أبو بكر فقال: الصلاة يا رسول الله.

انظر إلى تواضعه ﷺ! في الصحيحين أن عمر ﵁ يأتي في المسجد في صلاة العشاء وينظر إلى الصفوف ممتلئة وهم ينتظرون رسول الله ﷺ وقد نعس هذا ونام هذا وخفق رأس هذا، فخرج عمر وأتى إلى باب الرسول ﷺ وقال: الصلاة يا رسول الله، نام النساء والصبيان.

والآن بعض الناس لشدة تعامله وعنفه لا يرضى هذا الكلام، أتخاطبني وتقول لي هذا الكلام؟! من أنت حتى تناديني من عند باب بيتي؟ لكن الرسول ﷺ قام وصلى بالناس، فثبت أن أبا بكر مر ببيته ﷺ فقال: الصلاة يا رسول الله.

فسمع حفصة وعائشة يرفعان صوتيهما على رسول الله يطالبانه بالنفقة، فقال: يا رسول الله! احث في وجوههن التراب وقم صل بالناس؛ فتبسم ﷺ وقام يصلي بالناس؛ لأنه كما وصفه الله ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].

ويقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] بل ثبت أنه ﷺ شكا إلى أبي بكر من عائشة فدخل أبو بكر وعنف عائشة وأخذ يغمزها بيده فأخذ ﷺ يمنعها ويحميها، فلما خرج أبو بكر قال: ﴿أما رأيتي كيف منعتك من أبيك؟!﴾ ﷺ.

فهنا أتى فدخل عليها فانتهرها، والرسول ﷺ مضطجع، وظن أبو بكر أن الرسول ﷺ نام، فقال: ﴿مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ!﴾ يقول: هذا الغناء تغنيه في بيت الرسول ﷺ؟ ﴿فأقبل عليه ﷺ والتفت إليه وقال: دعهما -وفي لفظ صحيح- فإن لكل قوم عيد وهذا عيدنا﴾ دعهما فإن هذه مناسبة عامة، وسوف يأتي كلام مفصل عن هذه المسألة في هذه الناحية.

قالت عائشة: [[فلما غفل غمزتهما فخرجتا]] فـ عائشة كانت هي خائفة من أبيها وكذلك أرادت أن تقر كلام الرسول ﷺ؛ لأنه لا يليق بها بعد أن قال ﷺ: دعهما، أن تقول: اخرجا، لكن لما غفل رسول الله ﷺ غمزتهما فخرجت الجاريتان.