دروس الشيخ عائض القرني
إيذاء عقبة بن أبي معيط للنبي ﷺ
ومنهم أيضاً عقبة بن أبي معيط، كان الجار الثاني للرسول ﵊، جمع الناس في وليمة، ودعاهم جميعاً، فحضر ﷺ وقال: والله لا آكل طعامك حتى تؤمن بالله، فتشهد عقبة، فبلغ ذلك أبي بن خلف الجمحي، وكان صديقاً له، فقال: ما شيء بلغني عنك؟ قال: لا شيء، دخل الرجل منزلي فأبى أن يأكل طعامي حتى أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له، قال أبي: وجهي من وجهك حرام، إن لقيت محمداً فلم تطأ عنقه وتبصق في وجهه وتلطم عينه، فلما رأى عقبة رسول الله ﷺ فعل به ذلك، فأنزل الله فيه سورة الفرقان ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإنسانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩].
هذا عقبة حضر يوم بدر، وكان في صف المشركين فوقع في الأسارى، وقع أسيراً في يد المسلمين، فمر ﷺ وهو محجل بالحديد -في يديه سلسلة من حديد- وفي أقدامه سلسلة من حديد وهو كالجمل، وهو من أشجع الناس، فرآه ﷺ بين الأسرى، فقال ﷺ: من يقتل هذا؟ قال علي بن أبي طالب: أنا يا رسول الله، فتقدم علي بن أبي طالب بالسيف المسلول، فيقول عقبة بن أبي معيط: يا محمد! لمن الصبية؟
قال ﷺ: إلى النار، فتقدم علي بن أبي طالب فقتله؛ لأنه آذى الإسلام وآذى رسول الله ﷺ إيذاءً بالغاً، وهو الذي بصق في وجه الرسول ﷺ وآذاه في مكة واعترض على المسلمين وعذب كثيراً من المؤمنين، وكذلك قتل رسول الله ﷺ معه النضر بن الحارث، ثم ذهب ﷺ فنزل في الأثيل وهي قرية قريبة من بدر ومعه الجيش، فأتت أخت عقبة تقول: دلوني على الرسول ﷺ فدلوها فوقفت بين يديه، قالت: عندي أبيات أريد أن أنشدها بين يديك، قال ﷺ: قولي، قالت:
أمحمد يا نسل كل كريمة من قومه والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
ثم أخذت تنشد رسول الله ﷺ، فقال ﷺ: ﴿والذي نفسي بيده، لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته﴾ لكن إلى النار؛ لأنه عدو لله وللمؤمنين.
واستمر ﷺ يصبر ويحتسب ويدفع بالتي هي أحسن حتى بلَّغ الله ﷾ دينه مبلغ الليل والنهار.