دروس الشيخ عائض القرني
خيرية حافظ القرآن ومكانة أبي بن كعب
فكلام الله لا يحفظه إلا موفق، ولذلك كان هو السبب العظيم الذي كان ﷺ يشرف أصحابه به، فقد كان يحب أبي بن كعب سيد القراء ﵁ وأرضاه، حتى يقول عمر: [[أقرؤنا أبي، وإنا نأخذ ونترك من بعض قراءة أُبي]] وقد صح ذلك عن عمر.
وقد صلى النبي ﷺ بالناس فنسي آية فلما سلَّم قال الصحابة: ﴿يا رسول الله! أنسخت الآية أم نسيتها؟ -فمن يسأل، ومن صاحب هذا التخصص؟ معاذ تخصصه الحلال والحرام، وعلي قاضي، وزيد بن ثابت فرضي، وحسان بن ثابت أديب مسلم، لكنه أعطى القوس باريها- فقال: يا أبا المنذر! أكما يقول الناس؟ قال: نعم يا رسول الله!﴾
وفي الصحيح أن الرسول ﷺ سأله -والمسألة تناسب تخصص أبي - فقال له: ﴿أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:٢] فضرب على صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر﴾ ليهنك هذا الفتح العظيم، ليهنك هذا التقدم، إذا افتخر الناس بالشهادات، وافتخروا بالشاة والنعم أو بالمناصب والوظائف فليهنك هذا الفضل العظيم:
لعمرك ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد شهم يموت بموته بشر كثير
وذلك كـ أبي.
وقد صح عنه ﵊، أن الله لما أنزل عليه سورة البينة ذهب إلى أبي وطرق عليه الباب وقال: ﴿إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة، فقال أبي: وسماني في الملأ الأعلى؟ -أنا معروف في السماء من أنا، أنا لولا الرسالة الخالدة لست بشيء- قال الرسول ﷺ: نعم سماك الله في الملأ الأعلى، وقرأ عليه الرسول ﷺ سورة البينة﴾ ولذلك يتفكه المحدثون ويقولون: هل عرض الرسول ﷺ على شيخ من الشيوخ؟ قالوا: عرض على أبي.
وعند أحمد في المسند بسند صحيح، قال أبي بن كعب: ﴿قال المشركون لرسول الله: انسب لنا ربك -أي: من أبوه ومن جده؟ سبحان الخالق! لم يتخذ ولداً ولا والدة ولا زوجة: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥] فسكت ﵊ فأنزل الله قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]﴾.