Skip to content

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Printed page ١٤٧/ ١٥

وقوفه مع جابر في إطعام أهل الخندق

ومن أعظم الآيات التي تدل المؤمن على الإيمان وتزيده يقيناً مواقف الرسول ﷺ مع الصحابة حين كان يحفر في الخندق مع سبعمائة، وبهم من الجوع ما لا يعلمه إلا الله، يضع الحجرين ﵊ على بطنه، فأتى جابر فرأى الجوع في وجه المصطفى ﵊ فأتى إلى امرأته في البيت فقال: أعندك طعام؟ قالت: عندي ما يقارب مُد شعير وعندنا هذه العناق، عناق لا تكفي إلا ثلاثة لأن ولد الماعز صغيرة.

فذبح جابر العناق، وقال لامرأته: اطحني هذا الشعير واصنعيه لنا طعاماً، ثم وضع جابر هذه العناق الصغيرة في قدر صغير من فخار، وقامت امرأته: تصنع الطعام، فقالت له امرأته: اذهب وادع النبي ﷺ واثنين معه أو ثلاثة، قال: أفعل.

فأتى إلى المصطفى ﵊ في الخندق وقال: يارسول! الله تعال أنت واثنين أو ثلاثة معك، فقام ﵊ فقال: يا أهل الخندق! إن جابر بن عبد الله صنع لكم طعاماً فحي هلاً بكم جميعاً، وهم سبعمائة، أما جابر فأسقط ما في يده ونظر إلى النبي ﷺ يقول: ما أدري هل علم النبي ﷺ بما أقول أم لا؟

فذهب قبل النبي ﷺ في الطريق ودخل إلى امرأته يضرب على رأسه، تقول: مالك؟ قال: قلت لرسول ﷺ تأتي أنت واثنين أو ثلاثة، فنادى في أهل الخندق سبعمائة أو أكثر، وقال: يا أهل الخندق! إن جابر بن عبد الله صنع لكم طعاماً فحي هلاً بكم، فأقبلوا جميعاً، قالت: رسول الله أعلم بما يقول -وكانت عاقلة- فأتى ﷺ ينظر إلى جابر وإلى امرأته ويتبسم ﷺ؛ لأنه يعلم أن في البيت تغيرات وخوفاً، فيقول ﷺ: يا جابر! لا تنزل اللحم من على البرمة ولا تنزلوا طعامكم، ثم يتقدم النبي ﷺ على البرمة فينفث بريقه الطاهر الطيب المبارك -بأبي هو وأمي- ثم يأتي إلى الطعام فينفث فيه ويسمي ثم يقول: يا جابر! ادع الناس عشرة عشرة، فيدخل الناس عشرة عشرة فيأكلون أكلاً ذريعاً، أكل الجائع في عام القحط.

فلما انتهوا دعا النبي ﷺ جابراً وجلس معه فقال جابر: جلست معه والله ما نقص منها لقمة واحدة، فيقول ﷺ: أشهد أني رسول الله، يا جابر! كُل أنت وأهل بيتك ثم تصدق على جيرانكم من هذا الطعام.

قال: فتصدقنا على جيراننا في المدينة، فأمسوا على لحم، ومرق وطعام ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥].

في الغزوة يخرج ﵊ فينتهي الماء فيقولون: عطشنا يا رسول الله! وهم ما يقارب ألفاً وخمسمائة مقاتل، وعند جابر ألف وأربعمائة عندهم خيول وإبل وبقر فيقول: هل أحد منكم عنده ماء فيأتي أعرابي بإداوة صغيرة فيها ماء، فيأتي ﷺ بصحفة كبيرة، فيقول: صب عليَّ، فيسكب على أصابعه فيدعو الله فيثور من على أصابعه كالنهر، يقول أنس: يثور من أصابعه كالغيل، فتمتلئ الصحفة وتنثر في الأرض، فيأتي هذا فيملأ قربته ويذهب، ويأتي هذا ويسقي فرسه، ويشرب هذا، ويغتسل هذا، حتى ملئوا كل المخيم والجيش ماءً، فيقول: ﷺ: أشهد أني رسول الله، فنقول له: نشهد أنك رسول الله ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥].

إنها العلامات التي أتى بها ﵊ وعند مسلم عن جابر قال: ﴿ذهبت مع الرسول ﵊ في سفر، والذهاب معه هي أغلى لحظات المسلم أن يجلس مع النبي ﷺ، قال: فأراد أن يقضي حاجته في الصحراء قال: يا جابر! تعال، فقام جابر معه، فذهبا إلى الصحراء بعيداً عن الناس، فقال ﵊: يا جابر! اذهب إلى تلك الشجرة وقل لها يقول لك رسول الله ﷺ: تعالي، فيذهب إلى الشجرة فيقول لها: يقول لك رسول الله ﷺ: تعالي -ومن أراد أن يتوسع في هذه فليراجع المجلد الثامن لـ ابن تيمية - فتأتي وتشق الأرض شقاً مع جابر، فتقف عند المصطفى فلما وقفت قال له: اذهب إلى تلك وقل لها تعالي، فيذهب جابر ويقول: إن الرسول ﷺ يقول: تعالي، فتأتي فيقضي النبي ﷺ حاجته، ثم يقول: يا جابر! قل لهما اذهبا، فتذهب كل شجرة إلى مكانها حتى تعودا، يقول جابر وهو يروي الحديث للصحابة: والذي أعطاني بصري وأخذه لقد رأيتها تشق الأرض شقاً﴾.

﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥] نشهد أنك رسول الله، وأنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة.