Skip to content

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Printed page ١٤١/ ١١

هيئة القعود عند الأكل

المسألة الرابعة: هيئة القعود: يقول ﵊ كما في صحيح البخاري وغيره: ﴿إني لا آكل متكئاً﴾ قال الخطابي: يزعم كثير من أهل اللغة أن الاتكاء معناه الاعتماد، كما نعرف نحن الاتكاء على اليمنى أو على اليسرى، قال: وليس هذا كل المعنى، بل الاتكاء كذلك الذي يشمله الحديث هو الذي يتربع في جلسته إذا أراد أن يأكل فهذا متكئ، لكن لا أدري هل يوافق أهل العلم على كلام الخطابي؟ لأن الاتكاء إذا أطلق عرف أنه اعتماد الشخص على أحد جانبيه، وأما هذا ففيه معنىً مجازي، أو يدخله عموم الحديث.

إذاً فنهى ﷺ عن الاتكاء، وأن يأكل العبد متكئاً، لماذا؟

قيل: لأن هذه الهيئة هيئة المتكبرين المتجبرين، وكذلك يلحق به الشراب، ألا يشرب العبد متكئاً، ولا يأكل متكئاً؛ لأن المتواضع يجلس ويحمد الله على هذه النعمة، أما الجبار المتهتك؛ فإنه يتكئ، ويغني وهو يأكل، لا يسمي ولا يحمد الله ﷿ ولا يذكر هذه النعم.

﴿دخلت امرأة على رسول الله ﷺ فوجدته يأكل وهو متمسكنٌ في هيئته، فقالت: انظروا له، يأكل كما يأكل العبد، ويجلس كما يجلس العبد، فقال: وهل هناك عبدٌ أعبد مني﴾ فهو عبد الله ورسوله الذي عرف حقوق العبودية.

ولذلك دخل عليه أحد الناس -قيل: إنه ابن قيلة - يوم الفتح، فلما رأى الرسول ﵊، ورأى الحرس من الصحابة الأخيار قد سلوا السيوف على رأسه، ورأى الكتائب قد تدفقت كأنها أمواج البحر دخلت الحرم عشرة آلاف، أخذ هذا العربي يرتجف وترتعد يداه، ويكلم الرسول ﵊، فيقول ﵊: ﴿هون عليك فإني ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة﴾ يقول: أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد -والقديد: هو اللحم الذي يجز ثم يطبخ بالملح، ثم يعلق بالبيت ويبقى له أشهر ما يتعفن- فيقول: أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة.

نعم ابن امرأة كانت تأكل القديد في مكة، لكنه محرر أذهان البشرية من الخرافة والوثنية، وباني مجد هذه الأمة بفضل الله وبعونه، ومؤسس نور الإسلام ﵊.

هذه الهيئات نهى عنها ﷺ، ويلحق بها هيئة المنبطح، فقد ورد في حديث فيه ضعف: ﴿أنه نهى ﷺ أن يأكل العبد منبطحاً على بطنه أو منقعراً على ظهره﴾ إلا من عذر كمرض أو عاهة أصابته فهذا عذره الله ﷿ حتى في الصلاة.

وأما في القيام فهل للعبد أن يأكل أو يشرب قائماً أو وهو يمشي أم لا؟

يقول ابن عمر ﵁: ﴿كنا نمشي ونحن نأكل في عهد الرسول ﷺ﴾ وفي لفظ: ﴿كنا نأكل ونحن نمشي في عهده ﷺ﴾ لكن في صحيح مسلم عن قتادة عن أنس، قال: ﴿نهى ﷺ أن يشرب العبد واقفاً﴾ قال قتادة لـ أنس: [[والأكل، قال: الأكل أخبث]].

فما دام نهى رسول الله ﷺ عن الشرب واقفاً، فالأكل كذلك أولى أن ينهى عنه، لكن الشرب والأكل لأعذار، إما في زحمة أو في عجلة فلك ذلك، وأما في غير ذلك فلا يستصاغ، فالرسول ﷺ شرب واقفاً كما في زمزم، قيل: لعذر الزحام، أو قيل: لعذر العجلة.

أما في غيرها فلا ينبغي، لكن إذا كنت مستعجلاً، أو في مكان لا يناسب الجلوس، أو كان في مكان ازدحم فيه الناس فلك أن تأكل واقفاً وتشرب واقفاً.