Skip to content

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Printed page ١٠٤/ ٢

ترجمة سعد بن أبي وقاص

الحمد لله الحمد لله القائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ * وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٦].

والصلاة والسلام على رسول الله القائل: ﴿الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم﴾ والقائل: ﴿لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه﴾ ﵃ وأرضاهم.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصبحه وسلم تسليماً كثيراً أمَّا بَعْد:

فمعنا اليوم: صاحبٌ من أصحاب محمد رسول الله ﷺ، هذا الصاحب، هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وأحد أهل بدر الذين قال الله لهم: ﴿اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾ وأحد أهل بيعة الرضوان، الذين بايعوا النبي ﷺ تحت الشجرة، فقال الله عنهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨].

هو خال رسول الله ﷺ الذي قال فيه: ﴿هذا خالي فليرني كلاً خاله﴾ هو سعد بن أبي وقاص، هو أبو إسحاق، مدمر امبراطورية كسرى، ومبيد جيوش الضلالة من دولة المجوس، عبدة النار، ورافع راية التوحيد على الرافدين، على دجلة والفرات.

فسلامٌ على سعد بن أبي وقاص، يوم أسلم لله، وسلامٌ عليه يوم توفي ومضى لله، وسلامٌ عليه يوم يبعث حياً، وإنما المقصد من سيرة هؤلاء الامتثال، وأن يتوجه شباب الأمة وشيبها إلى التأسي بمثل هؤلاء الأبطال، فـ سعد ﵁ وأرضاه، من أولئك النفر البررة السعداء، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه:

أسدٌ يقدم في يوم الوغى لا يخاف الموت إن خاف الأسد

جسدٌ لفف في أسماله رحمة الله على ذاك الجسد

كان ثالث ثلاثة في الإسلام، ترتيبه في الإسلام الثالث، أسلم وعمره سبع عشرة سنة، ووضع يده في يد النبي ﷺ فعاهده على أن يرفع لا إله إلا الله، وأن يعيش لا إله إلا الله، وأن ينصر لا إله إلا الله، حتى يلقى الله، فلما أسلم، غضبت أمه العجوز، الذي ما فهمت رسالة الله، ولا أتقنت ولا عرفت ما هي لا إله إلا الله، وحاولت أن تصده عن الإسلام، ولكنه رفض أن يعود خائباً إلى دين الوثنية، بعد أن بصَّره الله بالإسلام، فأضربت عن الطعام والشراب، ورفضت أن تأكل وتشرب، وأقسمت بلاتها وعزاها ألاَّ تأكل حتى تموت، فقال لها: [[يا أُماه، والله لو أن لك مائة نفس، فخرجت النفس بعد النفس ما عدتُ عن ديني حتى تموتي، فكلي أو دعي]] فلما رأت الصدق أكلت!!

لقد كان ﵁ وأرضاه صادقاً مع الله، فأتى إلى رسول الله ﷺ، ومن أول يومٍ عده ﷺ ثلث الإسلام، يقول: ﴿يا رسول الله! ادعُ الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال له ﷺ: يا سعد! أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة﴾.

إن المطعم الحلال، هو الذي يجعل المؤمن طيباً في كلامه، وصلاته، طيباً في دعائه وعبادته مع الله، ثم قال ﵊: ﴿اللهم أطب مطعمه اللهم أجب دعوته، وسدد رميته﴾.

فكان إذا رمى بسهمٍ في سبيل الله لا يخطئ هذا السهم، حتى يقول علي ﵁ وأرضاه: [[رأيت رسول الله ﷺ يوم أحد، والحرب تستعر، وهو يشرف على الأعداء وعلى الكفار، وسعد يرمي بالسهام، فتقع في نحور الكفار، فيقول: ارمِ سعد فداك أبي وأمي]].

فما فدى ﷺ أحداً كما فدى سعداً، فأخذ يهيل لهم، ويرميهم حتى هزمهم الله، وردهم الله على أعقابهم خائبين خاسرين، لقد عاش الجوع في أول الإسلام، يقول عن نفسه: [[والله لقد مرت عليَّ ليالٍ ثلاث، ما أكلتُ فيها أكلة، ولقد بحثتُ عن أوراق الشجر، فأكلنا ما حولنا من أوراق الشجر مع رسول الله ﷺ، ووالله لقد ذهبتُ ليلةً دامسة ظلماء أبحث عن طعام، فما وجدت إلا جلد ميتة، فأخذت الجلد، فأحرقته على النار، ثم سحقته، ثم خلطته بماءٍ وشربته]].

ويقول ﵁ وأرضاه: [[لما توفي ﷺ ما نفضنا التراب عن قبره حتى أنكرنا قلوبنا]].

عاش وفياً مع رسول الله ﷺ ومع صاحبيه، أبي بكر وعمر، وكان ﷺ إذا رآه تبسم، وقال للصحابة: ﴿هذا خالي فليرني كلٌ خاله﴾.

ولما تولى عمر ﵁ وأرضاه، خلافة الإسلام سمع أن المجوس وآل كسرى، يعدون العدة لاجتياح الجزيرة العربية، كان قصدهم إبادة الإسلام، والهجوم على عاصمة الإسلام، فنادى عمر ﵁ وأرضاه، في الصحابة وفي المسلمين استنفاراً عاماً وجهاداً في سبيل الله، وتضحيةً لرفع لا إله إلا الله، فاجتمع المسلمون، وخرج عمر ﵁ وأرضاه من المدينة ليقود الحرب الطاحنة مع فارس، وخيم حول المدينة، وخلف على المدينة بعده أبا الحسن علي بن أبي طالب فلما نزل عمر ونزل معه المسلمون في المخيمات، جلس ﵁ وأرضاه يستشير الناس، وإذا بـ علي يقدم من المدينة، فيقول عمر: [[ما أقدمك يا أبا حسن، قال: يا أمير المؤمنين! إنك إن ذهبت وقتلت في أرض فارس يوشك أن يأخذ أهل فارس بيضة الإسلام، وأن يدخلوا عاصمة الإسلام، فأرى أن تولي رجلاً بعدك يقود المعركة وأن تبقى في المدينة، فاستأنس عمر لهذا الرأي، واستشار الصحابة، فأجمعوا على رأي علي ﵁ وأرضاه، فقال عمر: فمن أستخلف إذاً؟ فذهب كل إنسانٌ في خيمته يفكر، وإذا بـ عبد الرحمن بن عوف يرفع صوته ويولول، ويقول: يا أمير المؤمنين! وجدت الأسد في براثنه، سعد بن أبي وقاص، فيقول عمر: صدقت حياً بك أهلاً وسهلاً]] فيأخذ الراية ويسلمها لـ سعد، ويوصيه بتقوى الله ويتباكى هو وسعد رضوان الله عليهم عند الفراق، ويقول له: [[ملْ معي الطريق يا سعد]]! فيميل معه، فيتباكيان فيقول ابن عوف: مالكما؟ قال عمر: تخلفنا عن رسول الله ﷺ فنخشى أن نهلك، أو أن نفتن، أو أن نرتد على أعقبانا، ثم قال له عمر: [[يا سعد! يا سعد بن وهيب! يا سعد بن أبي وقاص! لا يغرنك قول الناس: إنك خال رسول الله ﷺ، فإن الله ليس بينه وبين أحد من عباده نسب، فاتقِ الله يا سعد! في جيش المسلمين، واتقِ الله في خاصة نفسك]] فأغض سعد ﵁ وأرضاه رأسه وطرفه وقال: [[سمعاً وطاعةً يا أمير المؤمنين!]].

وخرج ﵁ وأرضاه معه جنود الله، مهللةً مكبرة، ليخوض القادسية وللقادسية حديثٌ آخر، ومقامٌ آخر.