Skip to content

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Printed page ٤٩/ ١٠

الحمد والشكر والفرق بينهما

قرأت في بعض الكتب أن داوُد ﵇ قال: يا رب كيف أشكرك؟ قال: يا داوُد! أتعلم أن النعم مني؟ قال: نعم.

علمتُ يا رب! قال: فقد شكرتني، فجمع داوُدُ آلَ داوُدٍ! وقال: آتاكم الله النبوة والملك والعلم؛ فاشكروا الله، قالوا: وماذا نفعل؟ قال: تَجَزَّءُوا الليل ساعات وتَناوَبوا، كل ساعة يصلي فيها نفر، فقال الله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣].

فمهما فعل العبد، فإنه لا يصل ولا يفي بهذه المقامات الثلاث.

فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] في السراء والضراء، وفي الأثر: ﴿نعم عبدي المؤمن! أبتليه بجسده، ويقول: الحمد لله﴾.

وفي الإصابة لـ ابن حجر والاستيعاب لـ ابن عبد البر: أن عمران بن حصين أصيب بمرض، فمكث ثلاثين سنة، لا يرتفع عن فراشه، وكان يقول: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله رب العالمين، الحمد لله رب العالمين، فإذا قيل له: ماذا أصابك؟ يقول: الحمد لله رب العالمين.

تموت النفوس بأوصابها ولم يَدْرِ عُوَّادها ما بها

وما أنصفتْ مهجةٌ تشتكي أذاها إلى غير أحبابها

وهذا مثل ما قال المتنبي:

إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرحٍ إذا أرضاكم ألَمُ

فإذا رضي الله ﷾ فهذا مما يُحْمد عليه في مواطن القضاء والقدر، وهي منزلة الصديقين عند الله ﷿.

وهو ﷾ محمود لذاته، فليس في صفاته صفات عيب، بل صفاته صفات كمال، فهو محمود لذاته جلَّ وعلا.

قال الزمخشري: الفرق بين الحمد والشكر: " أن الشكر على صنيع، والحمد بغير صنيع ".

فالحمد: أعم، سواءً قدم لك المحمود خيراً أو يداً أو عطية، فهو محمود، ولذلك تحمد الواحد الأحد.

وأما الشكر: فإنه لا يكون إلا على صنيع، فلا تقل للإنسان: شكراً، إلا إذا أعطاك شيئاً، أو قدم لك خدمة.

أما الله فهو محمود ﷾ لصفاته، وأفعاله.

محمود في أفعاله؛ لأن أفعاله ﷾ كلها خيرة، ولذلك لا يُنسب الشر إليه، ولما قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الجن:١٠]: بَنَتْه للمجهول، وأتَتْ بنائب الفاعل، فما أحسن الكلام!

يقول أحد المفسرين: عجيبٌ! حتى الجن يتذوقون اللغة! فلما قال ﷾: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ [الجن:١] قال: عجيب! يعرفون أن القرآن عجيب! كيف تذوقوا اللغة؟! فتَعَجَّبُوا منه.

وقال إبراهيم الخليل ﵇ في القرآن الكريم: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨] فلما بلغ إلى المرض نسب المرض إليه، وإلاَّ فالممرض حقيقةً هو الله، فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ [الشعراء:٨٠] وهذا تأدب مع الواحد الأحد.

والخليقة أقل الناس فيهم من يحمد الواحد الأحد، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] قال ابن الجوزي: أهل الإسلام أقل أهل الأرض، وأهل السنة أقل أهل الإسلام، وأقول هنا: والمخلصون أقل أهل السنة.

وقد كانوا إذا عُدُّوا قليلاً فقد صاروا أقل من القليلِ

ويحكى أن عمر كان في السوق، فسمع رجلاً من الأعراب يقول: [[اللهم اجعلني من عبادك القليل، قال عمر: مَهْ؟! -أي: ما هذا الدعاء؟ - قال: يا أمير المؤمنين! يقول الله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] فسألتُه أن يجعلني من القليل، قال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر]] بل أنت الفقيه، وأنت العالِم، وأنت الشيخ العظيم.