Skip to content

دروس للشيخ محمد المنجد أقوال المفسرين في المراد بالباقيات الصالحات

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Printed page ٢٩٥/ ٢

أقوال المفسرين في المراد بالباقيات الصالحات

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد: فهذه أيام عشر ذي الحجة قادمة علينا، وليس هناك من أيام العمل الصالح أحب إلى الله تعالى فيهن من هذه الأيام.

وحول العمل الصالح والباقيات الصالحات يدور درسنا هذه الليلة.

يقول الله ﷾ في سورة الكهف: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف:٤٦].

ويقول ﷾ في سورة مريم: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً﴾ [مريم:٧٦] مرداً، أي: عاقبة ومرداً على صاحبها.

أما بالنسبة للباقيات الصالحات فهذه طائفة من أقوال المفسرين في تفسير هذه الكلمة: قال ابن الجوزي ﵀: والباقيات الصالحات فيها خمسة أقوال: أحدها: أنها (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر).

والثاني: أنها (لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله ولا قوة إلا بالله).

والثالث: أنها الصلوات الخمس.

والرابع: أنها الكلام الطيب.

والخامس: جميع الأعمال الحسنة.

وقال الشيخ صديق حسن خان ﵀ في تفسيره فتح البيان: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [مريم:٧٦] أي: أعمال الخير التي تبقى لها ثمرتها أبد الأبد وهي ما كان يفعله فقراء المسلمين من الطاعات.

وقال في البحر المحيط: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [مريم:٧٦] قال الجمهور: هي الكلمات المأثور فضلها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وقال ابن عباس وابن جبير وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل: [هي الصلوات الخمس] وعن ابن عباس: [كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة] ورجحه الطبري.

وعن قتادة: كل ما أريد به وجه الله.

وعن الحسن وعطاء: إنها النيات الصالحة، فإن بها تقبل الأعمال وترفع.

ومعنى: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [مريم:٧٦] أنها دائمة باقية وخيرات الدنيا منقرضة فانية، والدائم الباقي خير من المنقرض المنقضي.

وقال القرطبي ﵀ عن ابن عباس: [إنها كل عملٍ صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة].

وقال ابن زيد ورجحه الطبري وهو الصحيح إن شاء الله: بأن كل ما بقي ثوابه جاز أن يقال له هذا، أي: إنه من الباقيات الصالحات.

وقال علي ﵁: [حرث الآخرة الباقيات الصالحات] وقد قيل: إن الباقيات الصالحات هي النيات والهمات؛ الهمة الحسنة والنية الحسنة؛ لأنه بها تقبل الأعمال وترفع.

قاله الحسن.

وقال عبيد بن عمير -وهو قول فيه غرابة- في تفسير ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [مريم:٧٦]: هن البنات، يدل عليه أوائل هذه الآية، قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف:٤٦] أي: البنات الصالحات هن عند الله لآبائهن خيرٌ ثواباً وخيرٌ أملاً في الآخرة لمن أحسن إليهن.

ثم استدل القرطبي ﵀ بحديث عائشة في المرأة التي دخلت عليها وهي مسكينة ومعها ابنتان لها، فأعطتها عائشة تمرة كانت عندها، فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئاً، ثم أخبرت النبي ﷺ، فامتدح هذا الفعل وأخبر أن من عال هؤلاء البنات وابتلي بشيء منهن فصبر فإن الجنة ثوابه.

وقال الألوسي ﵀ في حديثٍ فيه أن الباقيات الصالحات هن بعض الأذكار، قال: وهن الباقيات -هذه الأذكار- المفيد للحصر بعد التنصيص على ما لا عموم فيه، وأياً ما كان فالباقيات صفة لمقدر كالكلمات أو الأعمال، أي: الأعمال الباقيات الصالحات، أو الكلمات الباقيات الصالحات، فما هي الباقيات الصالحات؟ الباقيات صفة، والموصوف محذوف تقديره: الكلمات أو الأعمال، وكذا تدخل أعمال فقراء المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه دخولاً أولياً، فإن لهم من كل نوع من أنواع الخيرات الحظ الأوفر.

أما ابن كثير رحمه الله تعالى فكان من أكثر المفسرين نقلاً للآثار والتفسير في هذه الكلمات في سورة الكهف ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف:٤٦] وبعد أن ساق أقوالاً كثيرةً وآثاراً في هذا، ساق رواية الإمام أحمد ﵀ عن الحارث مولى عثمان ﵁ قال: جلس عثمان وجلسنا معه، فجاءه المؤذن فدعا بماءٍ في إناءٍ أظنه سيكون مداً -وهو كيل عند أهل الحجاز - فتوضأ ثم قال: (رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينها وبين الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما بينها وبين العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح، غفر له ما بينها وبين العشاء، وهي الحسنات يذهبن السيئات.

قالوا: هذه الحسنات، فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟ قال: هي: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) قال الهيثمي ﵀ في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح، غير الحارث بن عبد الله مولى عثمان وهو ثقة.

وختم ابن كثير كلامه في هذه الآية بقوله: وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي الأعمال الصالحة كلها، واختاره ابن جرير رحمه الله تعالى.

وقد ثبت حديثٌ مرفوع عن النبي ﷺ في الباقيات الصالحات، وهو ما رواه النسائي والحاكم عن أبي هريرة قال: قال النبي ﵊: (خذوا جنتكم من النار) في رواية الحاكم قالوا: (من عدوٍ يا رسول الله؟ قال: بل من النار، قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدماتٍ ومعقبات ومجنبات، وهن الباقيات الصالحات) وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير.

وقال الشوكاني ﵀ -بعدما نقل آثاراً وأخرجها ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة - قال: كل شيء من طاعة الله فهو من الباقيات الصالحات.

وقال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان: وأقوال العلماء في الباقيات الصالحات كلها راجعة إلى شيء واحد، وهي الأعمال التي ترضي الله، سواء قلنا: إنها الصلوات الخمس كما هو مروي عن جماعة من السلف، منهم ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل، أو أنها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وعلى هذا القول جمهور العلماء، وجاءت أحاديث مرفوعة عن أبي سعيد الخدري وأبي الدرداء وأبي هريرة والنعمان بن بشير وعائشة ﵃ ثم قال الشنقيطي: قال مقيده عفا الله عنه -يعني نفسه-: التحقيق أن الباقيات الصالحات لفظ عام يشمل الصلوات الخمس والكلمات الخمس -والكلمات الخمس: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم- وغير ذلك من الأعمال التي ترضي الله تعالى؛ لأنها باقية لصاحبها غير زائلة ولا فانية كزينة الحياة الدنيا؛ لأنه قال في سورة الكهف: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٨] لكنها تفنى وتبيد: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف:٤٦] لأنها باقية لصاحبها غير زائلة ولا فانية كزينة الحياة الدنيا، ولأنها أيضا صالحة لوقوعها على الوجه الذي يرضي الله تعالى.

وقال القاسمي ﵀ في تفسيره محاسن التأويل: وقع في كلام السلف تفسير الباقيات الصالحات بالصلوات وأعمال الحج والصدقات والصوم والجهاد والعتق وقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر والكلام الطيب وبغيرها: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف:٤٦] أي: والأعمال التي تبقى ثمراتها الأخروية، من الاعتقادات والأخلاق والعبادات الكاملات، خيرٌ عند ربك من المال والبنين في الجزاء والفائدة، وخيرٌ مما يتعلق بهما من الأمل؛ لأن الإنسان في الدنيا عنده آمال، لكن الأمل في هذه الأعمال الصالحة خير من الأمل في الدنيا، فإن ما ينال بهما من الآمال الدنيوية أمرها إلى زوال، وما ينال من الباقيات الصالحات من منازل القرب الرباني والنعيم الأبدي لا يزول ولا يحول.

وقال العلامة الشيخ/ عبد الرحمن السعدي ﵀ في تفسيره تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: وإن الذي يبقى للإنسان وينفعه ا