دروس للشيخ محمد المنجد
أبو هريرة ﵁
وأما الحفاظ فإن على رأسهم بعد الأنبياء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وعلى رأس الصحابة في الحفظ أبو هريرة ﵁، روى البخاري رحمه الله تعالى عن أبي هريرة، قال: [إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثاً، ثم يتلو: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى)) [البقرة:١٥٩] إلى قوله: ((الرَّحِيمُ)) [البقرة:١٦٠]، إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم -المزارع- وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ ليشبع بطنه، ويحضر مالا يحضرون، ويحفظ مالا يحفظون].
هذا هو التفرغ وجمع العقل والهم، والهم: هو الحفظ، وقال أبو هريرة: (إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ، وتقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثونا عن رسول الله ﷺ بمثل حديث أبي هريرة؟ وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم صفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملئ بطني -لا آخذ إلا ما يكفيني من الطعام- فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرءاً مسكيناًَ من مساكين الصفة، أعي حين ينسون، وقد قال رسول الله ﷺ في حديث يحدثه: إنه لم يبسط أحدٌ ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول، فبسطت نمرة عليّ حتى قضى رسول الله ﷺ مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت بعد مقالة رسول الله ﷺ تلك من شيء).
هذا أبو هريرة ﵁، ومع ذلك ما حدث بكل ما حفظ، وهو أكثر الصحابة رواية على الإطلاق، فإنه الذي قال: [حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم] ولعل من ذلك حديث: (إن من أشراط الساعة إمارة الصبيان).
ولذلك كان أبو هريرة يقول: [اللهم إني أعوذ بك من رأس الستين وإمارة الصبيان] ولذلك لما تولى الصبي في عام ستين للهجرة من الأمويين، الله ﷿ قبض أبا هريرة قبلها بسنة، فمات سنة تسع وخمسين للهجرة على قول.