دروس للشيخ محمد المنجد
تأكيد الله باتباع رسول الله ﷺ
قال ابن القيم: وهاتان الكلمتان هما مضمون الشهادتين، وقد قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
انظر إلى المؤكدات التي انطوت عليها هذه الآية.
أولاً: صدّرها بالنفي ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥] وهذا منهج معروف عند العرب، كما قال الصديق ﵁: [لاها الله إذاً لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه] هذا كان في قصة أبي قتادة، لما طالب شخص بسلب من قتله أبو قتادة، فـ أبو بكر نفى ذلك، كيف تُعطى سلب القاتل؟ والقاتل أحق به؟ وكما قال الشاعر:
فلا والله لا يلقى لما بي ولا لما بهم أبداً دواء
هذا النفي المستخدم في الآية أسلوب من الأساليب، فهذه الآية التي قال الله ﷾ فيها: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] في رد الناس إلى السنة، وترك ما هم عليه، فيها مؤكدات كثيرة جداً، مثل النفي الموجود في أوله، كما تجده في أقسام الله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير:١٥] وهذا يؤكد الحقيقة المذكورة أكثر.
ثانياً: القسم نفسه ﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ [النساء:٦٥] واو القسم.
ثالثاً: التأكيد بالمقسم به، فإنه أقسم هنا بالرب ﷾، والله يُقسم بالمخلوقات ويُقسم بنفسه سبحانه، فهنا أقسم بنفسه.
رابعاً: أكده بنفي الحرج: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً﴾ [النساء:٦٥] لأن بعض الناس يسمع حكم الله ورسوله لكنه يتحرج منه، بل إنه يود لو أنه ما كان هكذا يقول عند صفقة كذا وكذا: ما حكمها؟ فتقول: حرام؛ لأنك أنت بعت ما لا تملك مثلاً، فينصرف عنك، ولو سمع الكلام يسمع وفي نفسه حزازة، بل يتمنى أن الحكم ما كان، لأنه فوت عليه أشياء.
خامساً: تأكيد الفعل بالمصدر، قال ﷾: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] فكأنه قال: (ويسلموا) مرتين، لأجل ألا يكون هناك أي نوع من أنواع الاعتراض، ويكون هناك كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم.