Skip to content

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Printed page ١٨/ ٤

شرح ألفاظ حديث البئر ومعانيها

قوله في الحديث: (إنه- أي: أبو موسى الأشعري ﵁ توضأ في بيته ثم خرج) يتوضأ الإنسان في بيته، ثم يخرج، فلعله يصادف وقت صلاة، ولعله يذهب إلى مجلس علم، فوضوؤه قبل خروجه من بيته خير، وقد نوى عند خروجه من البيت أن يلزم النبي ﷺ، فسأل عنه، فقالوا: خرج ووجهه هاهنا، يعني: توجه إلى هذه الجهة، وقوله في الرواية: (حتى دخل بئر أريس) هذا بستان معروف بـ المدينة بالقرب من قباء، وفي بئر أريس في هذا البستان سقط خاتم النبي ﷺ من إصبع عثمان؛ لأن خاتم النبي ﷺ كان عند الخلفاء، فلما صار الخاتم إلى عثمان ذهب عثمان إلى هذا البئر مرة فوقع منه الخاتم في البئر، ثم لم يعثر عليه.

قوله في الحديث: إن النبي ﷺ لما جاء إلى البئر توسط قفها، القف: هو المكان المرتفع الذي يجعل حول البئر، وفي رواية مسلم: (بينا رسول الله ﷺ في حائط من حوائط المدينة، وهو متكئ ينكت بعود معه بين الطين والماء) فجلس على هذا القف ومعه عود ينكت به بين الطين والماء، قال أبو موسى الأشعري: (لأكونن بواباً للنبي ﷺ وجاء في رواية:) (ولم يأمرني) وجاء في رواية: (أن النبي ﷺ أمره بحفظ باب الحائط) وفي رواية قال: (يا أبا موسى أملك عليَّ الباب) فكيف نجمع بين هذه الروايات؟ رواية يقول فيها: (لأكونن بواباً للنبي ﷺ ولم يأمرني) وفي رواية أنه ﵊ قال له: (يا أبا موسى! أملك عليَّ الباب فلا يدخلن عليَّ أحد) كيف نجمع بين هذه الروايات؟ أنه لما جاء بنية أن يحرس النبي ﷺ من دون أمر -تطوع من عنده- فلما رآه النبي ﷺ أمره بالشيء الذي قد جاء من أجله، هو جاء ليحرس من دون أمر، فلما جاء النبي ﷺ أمره، فصادف الأمر النبوي رغبة مسبقة عند أبي موسى الأشعري.

هل يعارض هذا حديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ لم يكن له بواب)؟

الجواب

لا يعارض؛ لأن عدم البواب هو الأصل وهذا شيء طارئ، لما مر النبي بقبر ووجد عنده امرأة تبكي، فقال: (اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، فتركها ﵊ ومشى، فقيل لها: إنه رسول الله ﷺ، فأخذها مثل الموت- يعني: من الرعب، كيف ردت عليه، وهي لم تنتبه أنه النبي ﷺ فجاءت إلى بابه فلم تجد عنده بوابين- وهذا موضع الشاهد- فاعتذرت، فقال النبي ﷺ: إنما الصبر عند الصدمة الأولى) حديث صحيح.

فالنبي ﷺ لم يكن عنده بوابون، وفي هذا الحديث أنه أمر أبا موسى أن يكون بواباً على هذا البستان في هذه المرة، وقد أمره النبي ﷺ أن يكون بواباً قدر ما يقضي حاجته ويتوضأ، حتى لا يدخل عليه أحد وهو يقضي حاجته، ثم إنه استمر أبو موسى في الحراسة من تلقاء نفسه، فجاء أبو بكر فدفع الباب، ولا نتصور أنه دفع الباب من غير استئذان، لأن الروايات تفسر بعضها بعضاً، فقد جاء في رواية أخرى قوله: (فجاء رجل يستأذن) وفي رواية: (فجاء رجل فحرك الباب يستأذن) فالنبي ﷺ أذن له وبشره بالجنة.

لما رأى ذلك أبو موسى، ثم في عمر رأى ذلك أيضاً، كان أبو موسى الأشعري قد ترك أخاً له يتوضأ ليلحق به، ترك في بيته أخاً له يتوضأ ويلحق به، وقد كان ل أبي موسى أخوان: أبو رهم، وأبو بردة، وأشهرهم أبو بردة واسمه عامر، قال: فإذا إنسان يحرك الباب وهذا هو الاستئذان، والله ﷾ قد قال: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] فجاء رجل واستفتح؛ فإذاً حركه مستأذناً لا دافعاً له ليدخل بغير إذن، فإن الصديق والفاروق لا يمكن أن يفعلا ذلك.

ثم جاء عثمان، فقلت: على رسلك، وذهب يستأذن له، فالنبي ﷺ سكت هنيهة، يعني: قليلاً، ثم بشره بالجنة على بلوى تصيبه، فقال عثمان: الله المستعان! وقال أيضاً: اللهم صبراً.

وهذه البلوى التي أخبر بها ﷺ هي ما أصاب عثمان في آخر خلافته من الشهادة يوم الدار، وثوران المنافقين عليه، وقد جاء عن ابن عمر في حديث صحيح رواه الإمام أحمد وقال ابن حجر: إسناده صحيح: (ذكر رسول الله ﷺ فتنة، فمر رجل فقال ﵊: يقتل فيها هذا يومئذٍ ظلماً) النبي ﷺ يتحدث عن فتنة، ومر رجل، فأشار ﵊ على الرجل المار، وقال: (يقتل فيها- في تلك الفتنة- هذا- الشخص المار- يومئذٍ ظلماً، قال ابن عمر: فنظرت فإذا هو عثمان).

وهذه الفتنة المشهورة التي ألبها وأوقد نارها عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي تنقل في البلدان يؤلب الناس على عثمان ويحرك الطغام، ويحرك الدهماء والسفهاء، ويحرك المنافقين على عثمان ﵁، ويقول: حرق المصاحف وأبقى مصحفه، ووظف أقاربه واستعملهم، وفعل وفعل، فاجتمع خلق من هؤلاء المنافقين وساروا إلى المدينة وتسلحوا واقتحموا المدينة وعاثوا فيها فساداً وتسوروا دار عثمان يريدون اقتحامه، وكان الصحابة قد حرسوا دار عثمان، ولكن عثمان ﵁ أصدر الأمر للصحابة بأن لا يحرسوه، ولا يقاتلوا دونه وينصرفوا.

أراد عثمان ﵁ أن يفتدي بدمه، حتى لا يحصل قتال بين الصحابة وبين هؤلاء الثوار، فلما أمرهم وهو الخليفة، وكان لزاماً عليهم أن يطيعوه، اقتحم داره هؤلاء، وكان عثمان ﵁ قد نشر مصحفه يقرأ، فضربوه بالسيف فوقع على يد امرأته نائلة فقطع أصابعها، ثم ضربوه بالسيف وهو يقرأ القرآن.

ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا

فقتل عثمان ﵁ مظلوماً وذهب شهيداً إلى ربه، ولو قال قائل: لماذا لم يتنازل عثمان عن الخلافة ما دام أنهم يريدون خلعه؟ فالجواب: أن النبي ﷺ كان قد أوصى عثمان بوصية وهي: (إن الله مقمصك قميصاً، فإن أرداك المنافقون على خلعه فلا تخلعه) هذه وصية نبوية لـ عثمان ﵁ قبل أن يموت، فـ عثمان ﵁ كان يتصرف ويتحرك بناءً على أمر النبي ﷺ: (لا تخلعه) وهكذا حدث وصارت البلوى الشديدة التي أصابت عثمان ﵁.

قال سعيد بن المسيب راوي الحديث: [فأولتها قبورهم] هذا يدل على أن التأويل يقع في اليقظة أيضاً، وهو الذي يسمى الفراسة، الفراسة: التأويل الذي في اليقظة، ما هو قصد سعيد بن المسيب ﵁؟ الآن النبي ﷺ جلس على دكة البئر على القف، وجلس عمر وأبو بكر عن جانبيه وعثمان ﵁ جلس على الجهة الأخرى؛ لأن المكان قد امتلأ.

سعيد بن المسيب قال: [أولتها قبورهم، أولت جلوسهم في الحديث هذا، مآلهم في القبور الذي صاروا عليه بعد ذلك، فإن القبور الثلاثة للنبي ﷺ وصاحبيه متجاورة، أما قبر عثمان، فهو بـ البقيع منفصل، والقبور الثلاثة في حجرة عائشة.

] إذاً: كان جلوسهم على حافة البئر متجاورين وعثمان في الطرف الآخر، قال: فأولتها قبورهم أي: اجتمعوا في الدفن وانفرد عثمان في البقيع، وفي رواية سعيد: [فأولت ذلك انتباه قبره من قبورهم] وفي رواية: [اجتمعت هاهنا وانفرد عثمان].

وقد جاء خبر رواه أبو نعيم عن عائشة في صفة قبور الثلاثة أن أبا بكر عن يمينه وعمر عن يساره، لو كان هذا ثبت كان فيه تمام التشبيه، قبورهم متجاورة، قبر أبي بكر عن اليمين، وقبر عمر عن الشمال، ولكن هذا ليس بثابت، والسند ضعيف، وقد عارضه ما هو أصح منه وهو ما أخرجه أبو داود من طريق القاسم بن محمد، قال: قلت لـ عائشة: يا أماه! اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه، فكشفت لي الحديث، وفيه: فرأيت رسول الله ﷺ يعني قبره، فإذا أبو بكر رأسه بين كتفيه، وعمر رأسه عند رجلي النبي ﷺ.