دروس للشيخ محمد المنجد
حكم إجابة الدعوة في غير وليمة العرس
وأما غير وليمة العرس من الدعوات فما حكم إجابتها؟ قال النووي ﵀: فيها وجهان: أحدهما: أنها كوليمة العرس.
والثاني: أن الإجابة إليها ندبٌ وإن كانت في العرس واجبة.
ونقل القاضي عياض ﵀ اتفاق العلماء على وجوب الإجابة لوليمة العرس، قال: واختلفوا فيما سواها.
وقال مالك والجمهور: لا تجب الإجابة إليها، وأهل الظاهر قالوا: تجب الإجابة لكل دعوة، إذاً عندنا شيء واضح وجوب إجابة دعوة وليمة العرس، ومسألة الدعوات الأخرى فيها خلاف، والأحوط أن الإنسان يجيب إذا لم يكن عنده عمل مصلحته أعلى، وكان من هديه ﵊ عموماً إجابة الدعوة، وكأن يأتي إلى وليمة العرس خصوصاً.
روى البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك: (أن خياطاً دعا النبي ﷺ لطعام صنعه، قال: فذهبت مع النبي ﷺ فقرب خبز شعيرٍ ومرقاً فيه دباء وقديد، فرأيت النبي ﷺ يتتبع الدباء من حوالي القصعة، فلم أزل أحب الدباء بعد يومئذٍ).
وكلمة المرق مما أجاب به الذين قالوا: لماذا لم يأكل مما يليه؟ لأن الدباء كان في المرق فهو يتتبع، وكذلك أخرج البخاري ﵀ عن أبي مسعود الأنصاري قال: كان رجل من الأنصار يقال له: أبو شعيب، وكان له غلامٌ لحام، فقال: اصنع لي طعاماً أدعو رسول الله ﷺ خامس خمسة -اعمل حسابك على خمسة أشخاص- فدعا رسول الله ﷺ خامس خمسة فتبعهم رجل، فقال النبي ﷺ للداعي لما وصلوا: (إنك دعوتنا خامس خمسة، وهذا رجلٌ قد تبعنا، فإن شئت أذنت، وإن شئت تركته، قال: بل أذنت له).
من فوائد هذا الحديث الذي ذكره ابن حجر ﵀: من صنع طعاماً لغيره فهو بالخيار بين أن يرسله إليه أو يدعوه إلى منزله، إذا صنعت طعاماً لغيرك سواء دعوته إليك أو أنك أوصلته إلى منزله، فكلاهما يصبح من الإكرام.
ثانياً: من دعا أحداً استحب أن يدعو معه من يرى من أخصائه وأهل مجالسته، إذا دعوت رجلاً وكان له أصدقاء يجلس معهم باستمرار، فالأفضل أن تدعوهم معه حتى لا تفصل بينه وبينهم، وهو يريد الجلوس معهم.
وكذلك: إجابة الإمام والكبير دعوة من دونهم وأكل طعامهم، هذا النبي ﵊ أجاب خياطاً، وذهب إليه، وقد جاء عند الحاكم بإسنادٍ صحيح حديث في هذا المعنى، وفيه أيضاً ذكرٌ لأدب من آداب الطعام الذي مر معنا سابقاً، وهو قول أنس ﵁: (كان النبي ﷺ يردف خلفه) بل أربع خصال تدل على التواضع، حديث أنس: (كان النبي ﷺ يردف خلفه، ويضع طعامه على الأرض، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار) صححه الألباني.
قوله: (ويضع طعامه على الأرض) فيه دليل على وضع الطعام على الأرض، وإن كان يجوز الأكل على المائدة والخوان كما تقدم، والشاهد من الحديث هذا قوله: (ويجيب دعوة المملوك) أن النبي ﵊ يجيب دعوة الناس ولو كانوا مغمورين أو كانوا ضعفاء، أو كانوا لا يشار إليهم بالبنان وليسوا ذوي شرف ومكانة بين الناس، وكان يجيب إلى الطعام القليل: (لو دعيت إلى كراع لأجبت) يجيب إلى الطعام ولو كان قليلاً، ولا يستحقره أو يحتقر الداعي، لأن هذا جهده، فيجيبه إليه.
ومن فوائد حديث الأنصاري الذي دعا النبي ﷺ خامس خمسة أن من قصد التطفل أي: المجيء إلى الوليمة من غير دعوة لم يمنع ابتداءً، لا يقال له: لا تأت، يقال: ممكن تأتي لكن لا تدخل إلا بإذن، لأن الرجل يتبع النبي ﷺ فلم يرده، لاحتمال أن تطيب نفس صاحب الدعوة بالإذن له، ولعله يأتي بعض الأحكام المتعلقة بالتطفل في النهاية إذا صار هناك متسع من الوقت إن شاء الله.