Skip to content

دروس للشيخ محمد المنجد التربية هي منهج الأنبياء عليهم السلام

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Printed page ١٨١/ ٤

التربية هي منهج الأنبياء ﵈

ثانياً: إن التربية هي طريقة الأنبياء رضوان الله عليهم، فهذا موسى ﵇ يختار من قومه سبعين رجلاً يختصهم بمزيدٍ من العناية.

وهذا عيسى ﵇ له حواريون يعلمهم ويختصهم بمزيدٍ من القرب والإدناء.

وهذا محمدٌ ﷺ أسلم معه أناسٌ كثيرون جداً، ولكن كانت معه طائفةٌ من المؤمنين تتلقى وتتربى دائماً، والتربية للجميع، فالمقل والمستكثر، ومنهم مقبلٌ ناهلٌ من هذا المعين الذي لا ينضب، ومنهم منشغلٌ في أمورٍ، أو بعيدٌ في قبيلة أو بلدٍ لا يستطيع أن يكون معه ﷺ دائماً، ولكنه ﵊ كان ينتهز كل طريقة في تربية أصحابه.

إننا نعلم أن عدد الصحابة رضوان الله عليهم يقارب مائة وأربعة وعشرين ألف صحابي -كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه الإصابة - من الذين حجوا معه ﷺ عام حجة الوداع، ولكن كان من هذا العدد الكبير طائفة مع رسول الله ﷺ تتلقى التربية أولاً بأول، كانوا معه من القديم عندما كان في مكة، وهاجروا معه، والتف معه الأنصار، وكان منهم من خرج معه في غزواته وشهد المشاهد كلها أو بعضها، واشتركوا في الجهود العظيمة في الدفاع عن الإسلام، ونشر الدعوة، وكان منهم العلماء، والقادة العسكريين، وأولو الحل والعقد والرأي في أول هذه الأمة.

وكان ﷺ ينتهز المناسبات، فإذا جاء رجلٌ يسأله عن أحب الأعمال، يقول تارة لشخصٍ: (الإيمان بالله)، ويقول تارة لآخر: (بر الوالدين)، ويقول تارة لثالث: (الصلاة على وقتها)، وهكذا وهكذا، يعطي كل شخصٍ بحسبه، ويربي كل إنسان بما يحتاج إليه، وهذا يقول له: أوصني، فيقول: (لا تغضب)، وهذا يقول: الوصية، فيقول: (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله)، وهكذا يتعاهد كل واحدٍ من أصحابه بما يحتاج، وينتهز المناسبات والأحداث، فيمر على جدي أسك قد تركه أهله مما أصابه من الموت والعفن، فيعلمهم فيه مفهوماً مهماً، ويمثل لهم تمثيلاً بليغاً ﷺ.

ولما وزع الغنائم في غزوة حنين، فنال مسلمة الفتح ما نالوه من الغنائم العظيمة مائةً مائةً من الإبل، وهؤلاء الأنصار لم تجف سيوفهم بعد من دماء الكفار لما فتحوا مكة، ولما قاتلوا في حنين، فلم يأخذوا شيئاً، فينتهز ﵊ هذا التأثر الذي حصل من بعضهم ليجمعهم ويلقي فيهم موعظةً بليغة، يعلمهم ويذكرهم وينصحهم ويعظهم، حتى بكوا من التأثر، ورجعوا معه قائلين: رضينا برسول حظاً وقسماً.

وهكذا كان مع أصحابه؛ يعلم جاهلهم، ويرشد من يحتاج إلى إرشاد، ويثبت من يحتاج إلى تثبيت، يأتيه خباب وهو مستظلٌ بظل الكعبة، فيقول: [ألا تدعو لنا، ألا تستنصر لنا]، ورسول الله ﷺ يتلو عليه من أخبار السابقين، وما ينبغي أن يكون عليه هؤلاء الناس من الثبات والصلابة في المواقف، فكانت تربيته ﵊ مثالاً يحتذى لكل أحدٍ من الناس يريد أن يسلك النهج النبوي في التربية الإسلامية.