دروس للشيخ محمد المنجد
العاهات البدنية ومنظار الشرع إليها
أيها الإخوة: ما هو رأينا في رجل مشوه الخلقة، ربما يكون دقيق الساقين، أو أسود البشرة، أو أعور أفحج، أو أنه مشلول، أو مجدوع الأنف والأطراف ونحو ذلك؟! كثير من الناس ينظر إليه بازدراء؛ لأن خلقته مشوهة، ينظرون إليه من منظار النقص، ولكن المسألة ليست بالشكل ولا بالصورة، وإنما هي بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
وكان النبي ﷺ حريصاً على إيضاح هذا المفهوم، فروى الإمام أحمد ﵀ في الحديث الحسن عن ابن مسعود: (أنه كان يجتني سواكاً من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ: مم تضحكون؟! قالوا: يا نبي الله! من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد) ساقا ابن مسعود الدقيقتان النحيلتان أثقل عند الله في الميزان من جبل أحد.
وفي رواية لـ أحمد أيضاً، عن أم موسى قالت: (سمعت علياً ﵁ يقول: أمر النبي ﷺ ابن مسعود، أن يصعد شجرة فيأتيه منها بشيء، فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله بن مسعود حين صعد الشجرة، فضحكوا من حمشوة ساقيه -أي: دقة أقدامه وصغرها- فقال رسول الله ﷺ: مِمَّ تضحكون؟ لرجل عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد).
وكان أصحاب النبي ﷺ يعرفون له هذا الفضل، فقال حذيفة ﵁: [إن أشبه الناس هدياً ودلاً برسول الله ﷺ من حين يخرج من بيته حتى يرجع -فلا أدري ما يصنع في أهله- كـ عبد الله بن مسعود، والله لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن عبد الله من أقربهم عند الله وسيلة يوم القيامة].
وكان النبي ﷺ يلفت نظر الناس إلى هذا الأمر، وأن القضية ليست بجمال الصورة، وإنما هو بالإيمان الذي وقر في القلب، فروى أحمد ﵀ في الحديث الصحيح عن أنس: (أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً، كان يهدي للنبي ﷺ الهدية من البادية، فيجهزه رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال النبي ﷺ: إن زاهراً باديتنا، ونحن حاضروه).
قال في مرقاة المصابيح في شرح الحديث: أي نستفيد منه ما يستفيد الرجل من باديته من أنواع النباتات، يجلب إلينا أشياء لا تكون إلا في البادية ليست عندنا، ونحن نعد له ما يحتاج إليه من البلد.
(وكان النبي ﷺ يحبه وكان رجلاً دميماً، قبيح المنظر والخلقة ليس فيه جمال، فأتاه النبي ﷺ يوماً، وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال الرجل: أرسلني من هذا؟ فالتفت فعرف النبي ﷺ، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، وجعل النبي ﷺ يقول -ممازحاً لـ زاهر -: من يشتري العبد؟! فقال: يا رسول الله! إذاً والله تجدني كاسداً -من يرغب فيّ؟ ومن يطمع في شكلي؟ - فقال النبي ﷺ: لكنك عند الله لست بكاسد) أو قال: (لكنك عند الله غالٍ) فتأمل كيف لفت النظر إلى هذا الشيء.