دروس للشيخ محمد المنجد
معنى كون الرؤيا جزءاً من النبوة
بالنسبة لكون الرؤيا جزء من النبوة، فما معناه؟ أولاً: الأحاديث الواردة فيه إذا ألقينا عليها نظرة نجد تفاوتاً في الأرقام، فمثلاً بعض الروايات فيها، (الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) وفي رواية أخرى: (الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوة) الحديث الأول في الصحيح، والثاني أيضاً رواه مسلم، والثالث: (رؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءاً من النبوة) كذلك في مسلم.
فـ ابن حجر ﵀ لما علق على هذه الروايات قال: تصل إلى خمسة عشر لفظاً، وأنها تتفاوت، من ست وعشرين إلى سبعين، وأشهر الروايات: (جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) فما معنى هذا الاختلاف؟ وما مدلوله؟ ولعل من أمثل ما ذكر في الجمع بين هذه الروايات أن ذلك يختلف باختلاف أحوال الرائين، فبعض الناس أحوالهم صادقة جداً ورؤياهم صادقة جداً فتكون رؤياهم جزء من -مثلاً- ست وأربعين، وبعض الناس في الصدق والتقوى والإيمان أقل، فتكون رؤياه جزء من سبعين، ولكن ما المقصود أن الرؤيا جزء من النبوة؟ النبوة فيها أشياء كثيرة، فيها تشريع وأحكام، وفيها أخبار عما سبق وعما سيأتي من الغيب، وغيرها من الأشياء الكثيرة من إنذار وبشارات، والنبوة تحتمل معجزات؛ لأن فيها إخباراً بالغيب، والرؤيا الصالحة يمكن أن تدل على شيء يحدث في المستقبل، سواء كان بشارة أو نذارة، سواء كان شيئاً حسناً أو شيئاً سيئاً، أو شيئاً من الشر سيقع، فيمهد للمؤمن نفسياً بهذه الرؤيا لكي يستعد لمواجهة الحدث الذي سيكون.
إذاً الرؤيا ممكن أن يكون فيها إخبار عن شيء سيحدث في المستقبل، وبما أن النبوة جزء منها إخبار بالغيب فتلتقي الرؤيا مع النبوة في هذه النقطة، وفي هذه الجزئية.
وكذلك فإن النبي ﷺ لما أخبر أنه لم يبق من النبوة إلا المبشرات، مثل بشائر نصر الإسلام، والنبي ﷺ أخبر أنه قد أعطي الكنزين الأحمر والأبيض، وأن الكنز الأبيض والأحمر: الفضة والذهب، وهما كنزا كسرى وقيصر.
وكما أن في النبوة مبشرات، كذلك الرؤى فيها مبشرات، فالنبي ﵊ صح عنه أنه قال () لم يبق من النبوة إلا المبشرات) والبشر: هو الذي يظهر على الإنسان من طلاقة الوجه وفرحه ونحو ذلك، قال ﵊: (إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا نبوة بعدي، فشق ذلك على الناس، فقال: لكن المبشرات، قالوا: يا رسول الله! وما المبشرات؟ قال: رؤيا المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة) رواه الترمذي وهو حديث حسن، وفي رواية لـ أحمد: (لا يبقى بعدي من النبوة شيء إلا المبشرات، قالوا: يا رسول الله! ما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له) رواه الإمام أحمد ورجاله رجال الصحيح، وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٤] قالوا: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.
ففي هذه الأحاديث بشارة من الصادق المصدوق ﷺ للمؤمنين لبقاء ما يتحفهم وما يأنسهم من أجزاء النبوة مما فيه إشارة للرائي، والمرئي له، وقد جاءت أحاديث كثيرة في هذا الشأن، إذاً هذه بشائر من الله ﷿، ومن لطائف ما روي في هذا أن الإمام الشافعي ﵀ رأى وهو بـ مصر أن الإمام أحمد ﵀ سيبتلى فكتب له بذلك؛ ليستعد للمحنة، وهكذا حدث فعلاً، وامتحن الإمام أحمد ﵀.
فإذاً: يمكن أن يرى الإنسان لنفسه أو يُرى له شيء يقع في المستقبل ويكون من شخص صالح، فهذا إما يفرحه أو يجعله يستعد لحدث في المستقبل، يقول النبي ﵊: (أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثاً) وهذا يدل على أن هناك علاقة بين صحة الرؤيا وبين صدق الشخص الذي يرى، قال ﵊: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا، أصدقهم حديثاً).