Skip to content

دروس للشيخ محمد المنجد ذم الدين والترهيب من عدم قضائه

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Printed page ١٣٤/ ٢

ذم الدَّيْن والترهيب من عدم قضائه

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] والدواوين ثلاثة، فمنها ديوان لا يتجاوز الله عنه يوم القيامة، وهو ديوان حقوق العباد.

وهاهنا مسألة أيها الإخوة! نريد أن نفرد لها عدة خطب لنتكلم عنها، لما حصل فيها من التقصير العظيم من المسلمين، وهي مسألة ذات شجون خصوصاً لمن ذاق طعمها، وهي من مسائل حقوق العباد التي وقع فيها التفريط، وهذه المسألة أيها الإخوة! مسألة الدَّين.

الناس اليوم يتساهلون في الاستدانة تساهلاً عجيباً، وكثيرٌ منهم لا يدرون عن أحكامها شيئاً، ونحن نتكلم في هذه الخطبة عن ذم الدَين، وعاقبة الاستدانة، وسوف نتكلم إن شاء الله عن الطرف الآخر وهو الدائن المقرض، وسنتكلم أيضاً إن شاء الله عن بعض أحكام الاستدانة.

عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لو كان لي مثل أحد ذهباً ما يسرني ألا يمر علي ثلاثة أيام وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدَين) فصلى الله عليه وسلم ما كان أحرصه على قضاء دينه، ويقول ﵊ في الحديث الصحيح: (إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر، كفر الله عنك خطاياك إلا الدَين كذلك قال لي جبريل آنفاً) وقال ﵇: (سبحان الله ماذا أنزل من التشديد في الدَّين، والذي نفسي بيده، لو أن رجلاً قتل في سبيل الله ثم أحيي، ثم قتل ثم أحيي ثم قتل، وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه) رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح.

وقال ﵊ في الحديث الصحيح الآخر: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) وروى الإمام أحمد وابن ماجة، عن سعد بن الأطول ﵁، أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالاً، قال: (فأردت أن أنفقها على عياله قال: فقال لي رسول الله ﷺ إن أخاك محبوس بدينه، فاقض عنه دينه) حتى مع أنه له عيال، يأمر رسول الله ﷺ أخا الميت أن يقضي عنه دينه، وفي الحديث الصحيح الآخر: (أنه ﷺ صلى على جنازة، فلما انصرف قال: أهاهنا من آل فلان أحد؟ -الميت- فسكت القوم، فقال ذلك مراراً، وهم يسكتون، حتى أشار رجل من الصحابة إلى رجل في آخر القوم، قال: هاهو ذا رجل من أقرباء الميت، فجاء الرجل يجر إزاره إلى رسول الله ﷺ، فقال له ﵇: إن صاحبكم مأسور بدينه عن الجنة، فإن شئتم فاسدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله) حديث صحيح.

وعن جابر ﵁ قال: (مات رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه، ووضعناه لرسول الله ﷺ، حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله ﷺ بالصلاة عليه، فجاء معنا، فتخطى خطىً ثم قال: لعل على صاحبكم دين؟ قالوا: نعم، ديناران، فتخلف قال: صلوا على صاحبكم -ورفض ﵊ أن يصلي عليه؛ إشعاراً للأمة بخطورة الدين، وأهمية قضائه- قال: صلوا على صاحبكم وصلاة الرسول ﷺ على المؤمنين فيها رحمة عظيمة لهم، قال: صلوا على صاحبكم، فقال له رجل منا يقال له أبو قتادة: يا رسول الله! هما علي أي: أنا أقضي دين هذا الرجل، فصلى رسول الله ﷺ على الميت ثم لقيه ﵇ من الغد فقال: ما صنعت الديناران؟ قال يا رسول الله! إنما مات أمس -ما صار له وقت طويل- فقال: ما صنعت الديناران؟ ثم لقيه من الغد فقال: ما فعل الديناران؟ قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: الآن حين بردت عليه جلده).