Skip to content

دروس للشيخ محمد المنجد فضل الاستمرار على الاستغفار

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Printed page ١٢٥/ ٤

فضل الاستمرار على الاستغفار

لا شك أن الاستغفار مأمور به لقول الله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٩] ولا يلزم أن يكون من معصية، فقد يستغفر الإنسان عن أشياء فعلها قديماً، ثم إن الإنسان قد يخطئ وهو غير منتبه أنه قد أخطأ، وقد يذنب وهو غير منتبه أنه أذنب، ولا بد لكل واحد أن يقع في المعصية، لأن الإنسان ظلوم جهول، ومن طبعه العصيان والخطأ، كل بني آدم خطاء، فلماذا إذاً يترك الاستغفار؟ فإذاً: الاستغفار عبادة طيبة تفعل دائماً وباستمرار، وقد قال النبي ﷺ: (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً) رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح، وقال النبي ﷺ لـ عائشة ﵂ في قصة الإفك لما دخل عليها، قال: (يا عائشة! إن كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري الله، فإن التوبة من الذنب الندم والاستغفار) فإذا فعل الإنسان معصية استغفر، ويستغفر عموماً ولو لم يقترف معصية، ولذلك كان النبي ﷺ يستغفر دائماً، وقد روى الإمام أحمد بسند رجاله ثقات أن حذيفة ﵁ وأرضاه قال: (يا رسول الله! إني ذرب اللسان، وإن عامة ذلك على أهلي -لساني فيه سلاطة وإيذاء، وعامة هذا يقع منصباً على أهلي، يعني: فماذا أفعل؟ - فقال ﷺ: أين أنت من الاستغفار؟ إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالعبد دائماً بين نعمة من الله يحتاج فيها إلى شكر، وذنبٍ منه يحتاج فيه إلى استغفار" ولا يوجد حالة تخرج بها عن هذين الحالين، العبد دائماً بين نعمة من الله يحتاج فيها إلى شكر، وذنبٍ منه يحتاج فيه إلى الاستغفار، وهذان من الأمور اللازمة للعبد دائماً، فإنه لا يزال يتقلب في نعم الله وآلائه، ولا يزال محتاجاً إلى التوبة والاستغفار، والتوبة من التقصير في شكر النعمة لا بد منه، فكيف إذا أضيف إلى ذلك ذنب؟ ولذلك يحتاج العبد إلى الاستغفار دائماً حتى في الأعمال الصالحة؛ حتى لا يكون العجب بنفسه، وكلنا ذو تقصير، فمن الذي لا يقصر في صلاته، ولا يقصر في صيامه، ولا يقصر في حجه؟ ولذلك كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التحفة العراقية، قال: "ولهذا شرع الاستغفار في خواتيم الأعمال، قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧] " يعني: بعد قيام الليل، وقت الفجر، في وقت السحر، قبيل الفجر يستغفر مع أنه يوجد قيام ليل.

قال بعضهم: أحيوا الليل بالصلاة، فلما كان وقت السحر أمروا بالاستغفار.

وفي الصحيح: (أن النبي ﷺ كان إذا انصرف من صلاته، استغفر ثلاثاً، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) وهو منصرف من صلاة وليس منصرفاً من معصية أو من ذنب، ولذلك يقال بعد السلام مباشرة: أستغفر ثلاثاً، أستغفر الله من التقصير في الصلاة، أستغفر الله من العجب، أستغفر الله من الرياء، أستغفر الله، من كل تقصير، ومن كل عيب ومن كل شيء يدخل علي.

وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] إلى أن قال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩] هذا في الحج بعد عرفة مطلوب من الحاج، فلا مجال للعجب بالعمل، ولا ليرى الإنسان أنه في حجه قد عمل شيئاً عظيماً وكفر به سيئاته، وقد ضمن به الجنة، بل إن عليه أن يستغفر ليشعر العبد نفسه أنه لا زال يحتاج إلى رحمة ربه ومغفرته، وبالرغم من عبادته أنه لا زال في تقصير، فهل أدى شكر نعمة البصر بهذا الحج؟ وهل أدى شكر نعمة السمع بهذه الصلاة؟ وهل أدى شكر نعمة اليد بهذا الصيام؟ وقد أمر الله نبيه بعد أن بلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده، بعد هذا العمر الطويل، والحياة المباركة من النبي ﵊ في الدعوة والتعليم والجهاد وإقامة الدين، وبعد العبادات، وبعد التربية التي قام بها الناس يقول له: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣] فقد أتى ﷺ بما أمره الله تعالى به مما لم يصل إليه أحد غيره، ولا يستطيع أحد أن يفعل مثلما فعل النبي ﵊، ومع ذلك قال له: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٣].