دروس للشيخ محمد المنجد
صورة تبين مراعاة الإسلام لشعور المضيف
ومن الجهة المقابلة: كيف يراعي الضيف شعور المضيف؟ شخص آتى له ضيف فجأة، ولا يوجد عند صاحب البيت أكل، كيف يتلافى الضيف الموقف ويشعر صاحب البيت أنه لا يضر وأنه غير متأثر، ولا يعتبرها إهانة؟ هذا الحديث الصحيح في السلسلة الصحيحة، يقول ثوبان ﵁: (نزل بنا ضيف بدوي) أي: عند الرسول ﷺ، فجلس رسول الله ﷺ أمام بيوته -ما هي بيوت الرسول ﷺ؟ هل هي فلل؟ كل بيت حجرة، هذه حجرة عائشة، وهذه حجرة أم سلمة، ولو وقف الواحد فيها لضرب رأسه بالسقف.
(فجعل يسأل عن الناس) هذا البدوي أتى من البادية، والرسول ﷺ حكيم يهتم بأمور المسلمين، فجلس مع البدوي يسأله، يقول: كيف البادية عندكم؟ أظنهم يصلون ويؤدون الشعائر، ومهتمين بالدين، ويراعون الحلال والحرام، ويسألون عما أشكل عليهم؟ فجعل الرسول ﷺ يسأل البدوي عن الناس في البادية: (كيف فرحهم بالإسلام؟ وكيف حدبهم على الصلاة؟ فما زال يخبره من ذلك بالذي يسره، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ نضراً، فلما انتصف النهار وحان أكل الطعام، دعاني مستخفياً -انظر الأدب، فلم يقل: يا ولد! أحضر الطعام، لا- قال: دعاني مستخفياً لا يألو: أن ائت عائشة ﵂ فأخبرها أن لرسول الله ﷺ ضيفاً.
فقالت عائشة لما ذهب ثوبان إليها: والذي بعثه بالهدى ودين الحق ما أصبح في يدي شيء يأكله أحد من الناس.
فردني إلى نسائه -الرسول ﷺ عندما جاءه الخبر، يقول: اذهب إلى فلانة، وإلى فلانة، على زوجات الرسول ﷺ كلهن- كلهن يعتذرن بما اعتذرت به عائشة ﵂، قال: فرأيت لون رسول الله ﷺ خسف) لماذا خسف؟ لأنه ليس عنده شيء، يريد أن يكرم الضيف فصار في موقف حرج.
والبدوي كان ذكياً ﵁، وكان رجلاً فقيهاً، لم تجعله البادية ينسى قضية الاهتمام بالنفوس ومراعاة الشعور، (فقال البدوي لما رأى الرسول ﷺ قد حرج، قال: إنَّا أهل البادية معانون على زماننا، لسنا بأهل الحاضرة، فإنما يكفي القبضة من التمر، يشرب عليها من اللبن أو الماء فذلك الخصب) أي: إذا وجد تمر وعليه ماء أو لبن، فهذا أعلى شيء، وهذا هو الخصب.
وبعد ذلك حلب له الرسول ﷺ، وصارت معجزة للرسول ﷺ حيث درت شاة من الشياه، وشرب البدوي حتى ارتوى.
فانظر كيف أن هذا البدوي من فطنته ورقته ومراعاته لهذه الأشياء ذكر هذا الكلام، حتى لا يحرج الرسول ﷺ.