Skip to content

دروس للشيخ محمد المنجد معالجة القرآن لمشاعر المسلمين

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Printed page ٩٤/ ٣

معالجة القرآن لمشاعر المسلمين

عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١ - ٢] إلى قوله ﷿: ﴿فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الفتح:٥]-وقد نزلت هذه الآيات عندما رجع النبي ﷺ وأصحابه من الحديبية - وقد كان الصحابة يخالطهم الحزن والكآبة، لأنهم رجعوا من غزوة الحديبية ولاهم بالذين حاربوا الكفار، وقاتلوهم، وانتصروا عليهم، ولا هم بالذين دخلوا مكة واعتمروا وحققوا الشيء الذي خرجوا من أجله، بل قد وضعت لهم شروط واتفاقيات مع كفار قريش، رجعوا بسببها إلى المدينة من غير أن ينالوا شيئاً، وكان في بعض هذه الشروط، ما يظنه الرجل الذي ينظر إلى ظاهر الأمر وينظر نظرة سطحية بدون تمعن، أن فيها ظلماً للمسلمين، فرجعوا وهم في غاية من الحزن والكآبة.

وفي هذه الأثناء تنزل الآيات، ويصف القرآن هذا الصلح بأنه فتح مبين ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١ - ٢] فقال رسول الله ﷺ: (لقد أنزلت عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا جميعاً).

لماذا كانت هذه الآية لها أثر عظيم؟ لأنها أزالت الكآبة والحزن من نفوس الصحابة.

إذاً: كان القرآن ينزل لأهداف منها: معالجة الحزن والكآبة في نفوس الصحابة، يقول الله ﷿ بعد غزوة أحد -تعليقاً عليها في الآيات-: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ﴾ [آل عمران:١٥٣]، ففي غزوة أحد قتل من الصحابة خلق عظيم، وعلى رأسهم حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ، ومن أكبر حملة ألوية الدعوة إلى الله، وكان رجلاً صنديداً فقُتل، والرسول ﷺ جرح جراحاً شديدة، وأشيع أنه قتل، وصلت هزيمة بالمسلمين.

يقول الله ﷿: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ﴾ [آل عمران:١٥٣]، ما معنى ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ﴾؟ ذكر بعض أهل التفسير من أوجه ما قيل في هذه الآية قول عبد الرحمن بن عوف: الغم الأول بسبب الهزيمة.

والغم الثاني: حين قيل: قتل محمد ﷺ، قال ابن قمئة: قتلت محمداً، وصدقه الكفار وبعض المسلمين.

لما شعر المسلمون أن رسول الله ﷺ قد قتل، نسوا في غمرة الغم العظيم الهزيمة، وصاروا الآن في الغم الجديد، وهو قتل الرسول ﷺ، فانظر كيف عالج الله أثر الهزيمة في النفوس، بأن أعطاهم غماً آخر غير حقيقي وهو مقتل الرسول ﷺ، فانشغلت النفوس به عن الهزيمة، ثم تبين أنه غير مقتول، وكانت قد نسيت أشياء من الهزيمة، فانظر كيف عالج الله هذه النفسيات، وكيف شفى الله نفوس المسلمين من أمور كثيرة.