دروس للشيخ محمد المنجد
نوم النبي ﷺ والحكمة منه
قال: (فما أيقظنا إلا حر الشمس، واستيقظ أبو بكر، ثم استيقظ فلان وفلان، والرابع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه).
الصحابة كانوا لا يريدون إيقاظ النبي ﵊، لأجل أنه ربما يوحى إليه في منامه، فيخافون انقطاع الوحي وانقطاع الفائدة إذا أيقظوه، فتركوه حتى يكون هو الذي يقوم، فـ عمر قدَّر الموقف، رأى ما أصاب الناس من نومهم عن صلاة الصبح، ولا يوجد ماء، وكان عمر رجلاً جلداً جليداً قوياً، ولا شك أن المجتمع المسلم يحتاج إلى أمثال هؤلاء الرجال، وكان رفيع الصوت، يخرج صوته من جوفه بقوة، وهذا من معاني كلمات (جليداً) لأنه ورد في رواية مسلم: (رجلاً جليداً أجوف) أي: يخرج الصوت من جوفه بقوة، (فكبر ورفع صوته بالتكبير) قال العلماء: إن استعماله للتكبير سلك فيه طريق الأدب والجمع بين المصلحتين، إحداهما: الذكر، والأخرى: الاستيقاظ، لأنك يمكن أن توقظ الشخص بأي عبارة، فإذا أوقظته بذكرٍ من الأذكار، تكون قد جمعت بين إيقاظه وبين الذكر، فيكون لك أجران: أجر ذكر الله، وأجر إيقاظه للصلاة.
ولذلك كبر وعلا صوته بالتكبير، وخص التكبير لأنه الدعاء إلى الصلاة، لأن أول عبارة في الأذان (الله أكبر) فهو أفضل الدعاء إلى الصلاة، والنبي ﷺ استيقظ.
وهنا قد يقول قائل: إننا نعلم أن قلوب الأنبياء لا تنام؛ لأن النبي ﷺ قال: (إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) فما باله هنا قد حصل أنه نام عن الصلاة المكتوبة؟ وقد أجاب العلماء بأجوبة، ومنها: أنه كما يعتري الإنسان السهو في اليقظة كما في الصلاة، فكذلك في النوم من باب أولى، قد يحصل له سهو قلبي وهو في المنام، فالنبي ﷺ ما سها في الصلاة وهو مستيقظ، والسهو سهو القلب، وسلم من ركعتين.
إذاً: من باب أولى أن يحدث له سهوٌ قلبيٌ في المنام، حتى لو كان قلبه لا ينام، لكنه ليس مبرأ من السهو، فهذا جواب مما قيل عن هذا الأمر.
وفي ذلك فائدة: لو استيقظ ﵊ في الوقت وصلوا لما كان هناك بعض الفوائد التي حصلت، ولما عرفناها، فالمجتمع الأول أجرى الله ﷾ فيه أحداثاً، وقدر فيه أقداراً؛ لتعرف أحكام ما كانت لتعرف لو لم تحصل هذه الأحداث.