سلسلة التفسير لمصطفى العدوي
تفسير قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً)
وقال الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣] الدعاء هنا المراد به: نداء النبي ﷺ لكم، يعني: إذا دعاكم الرسول ﷺ لأمر فلا تظنوا أن دعوته لكم لهذا الأمر كدعوة غيره، يعني: إذا دعاك زيد من الناس فليست دعوة زيد لك -تعال يا فلان- كدعوة رسول الله، إنما الواجب مع رسول الله أن تسمع له وأن تطيع، ففرق بين معصيتك ومخالفتك لرسول الله وبين إجابتك دعوة النبي ﷺ، ولذلك لما رأى النبي ﷺ أبا سعيد بن المعلى يصلي فدعاه، فلم يخرج أبو سعيد من صلاته، فقال له النبي بعد أن انصرف من الصلاة: (ما منعك أن تجيب؟! قال: إني كنت في صلاة يا رسول الله! قال له النبي ﵊: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] ) ؟ فهذا رشح أن المراد بالدعاء في الآية: المناداة، أو الدعوة التي هي: تعال يا فلان! وقيل: إن المراد بالدعاء: دعاء الرسول ﵊ على الناس أو للناس، فإذا دعا الرسول على قوم أو دعا الرسول لقوم فليست دعوته كدعوة غيره ﵊، إذا قال النبي ﷺ: اللهم انتقم من فلان، أو اللهم اغفر لفلان، فدعاؤه ﵊ أو دعوته بهذا الصدد ليست كدعوة غيره ﵊.
ومن العلماء قال في هذا الباب: دعوة أهل الصلاح ليست كدعوة غيرهم، فمثلاً: أنت تؤذي عبداً من عباد الله الصالحين، فدعوته عليك ليست كدعوة غيره، فهو صالح مظلوم، ويستدل لهذا المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] .
ففي الآية تعظيم للنبي ﷺ، والحث على توقيره ﵊، وعلى تعظيمه ﷺ، ولهذا شاهد آخر من التنزيل، وهو قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:٩] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات:٣] ، فليس قول الرسول ﵊ كقول غيره، ليست مناداته ﷺ للناس: تعالوا أيها الناس! كدعوة غيره، وليست دعوته ﷺ على الناس: اللهم افعل بهم وافعل! كدعوة غيره ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ .