Skip to content

دروس للشيخ مصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Printed page ٣٦/ ٢

النهي عن اللغو

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

وبعد: فيقول الله ﷾ في شأن أهل الإيمان: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٣]، ويقول الله في شأنهم كذلك: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥]، ويقول تعالى أيضاً: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢].

فأهل الإيمان لا يقفون عند اللغو، بل يهجرونه ويتقونه، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون)، يقول الترمذي رحمه الله تعالى: والثرثار: كثير الكلام، ويقول النبي ﷺ: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه كذلك: (وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصاد ألسنتهم)، ويقول صلوات الله وسلامه عليه: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)، فصلوات ربي وسلامه على هذا النبي الكريم.

فعلى المسلم أن يقلل الكلام قدر الاستطاعة، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، وقال النبي ﷺ: (من صمت نجا)، قال بعض الشراح لحديث النبي ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت): إن استوى عندك الوجهان في الكلام ولم تدر أفي الكلام خير أم ليس فيه خير لزمك الإمساك؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (فليقل خيراً أو ليصمت).

وأيضاً فليعلم أن الكلمات تسطر، وأن الكلمات تكتب، قال الله ﵎: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] أي قول يسطر ويكتب، حتى المزاح يكتب، حتى الأنين يكتب.

لقد كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مرض موته يئن منه أنيناً فقيل له: يا إمام! إن طاوساً يقول: إن الأنين يكتب، يعني لقول الله ﵎ في كتابه الكريم: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] فيقول الراوي: فما أنّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى حتى مات.

ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].

ويقول الله ﷿: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٢ - ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢].

فالكلمات تكتب، فلأن تأتي صحائف أعمالك يوم القيامة نقية بيضاء مسطّر فيها ذكر الله ﷿ خير لك من أن تأتي صحائفك قد ملئت باللغو واللغط، واغتياب المسلمين والمسلمات.