دروس للشيخ مصطفى العدوي
الحذر من مكر الله ﷿
فيا معشر الإخوة! لا تيئسوا من رحمة الله، ولا تقنطوا أحداً من رحمة الله، وفي ذات الوقت لا تستهينوا بمحارم الله، فقد يظن ظان أنه بإسلامه يغفر له كل شيء، ورب العزة يقول: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر:٤٩] ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٥٠] ويقول: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:٣].
وفي حديث النبي ﵊: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت) وفي الحديث الآخر: (أن رجلاً كان يخدم النبي ﷺ، فخرج مع النبي في غزوة من الغزوات، فأتاه سهم فقتله، فقال الصحابة: هنيئاً له الشهادة في سبيل الله، قال ﵊: (كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لتشتعل عليه ناراً).
فكما أن الشخص لا ييئس من رحمة الله، فعليه أيضاً ألا يغتر بسعة عفو الله ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥] هكذا قال ربنا في كتابه الكريم، ولسنا بخير من أصحاب نبينا محمد ﵊، فلما عصوا نبيهم يوم أحد، حل بهم من البلاء والنكد ما لا يخفى: شج رأس نبيهم محمد ﵊، وكسرت رباعيته ﵊، وقتل عمه حمزة، وبقرت بطنه واستخرجت الكبد ولاكتها امرأة بأسنانها.
لسنا بخير من نبي الله يونس، كان داعياً إلى الله ﵊، وكان نبياً كريماً يدعو إلى ربه ﵎، فلم يجبه قومه، فخرج من البلدة مغاضباً عن غير أمر الله له، قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] وفي الآية الأخرى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الذاريات:٤٠] وفي الثالثة: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات:١٤٣] * ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٤].
وأبونا آدم قبل كل هذا، ما الذي أخرجه من الجنة؟ ما الذي تسبب في نزع اللباس عنه، بعد أن كان مكسواً ومستوراً، وبعد أن كان منعماً في الجنة يأتيه من كل صنوف النعيم فيها؟ ما الذي كان سبباً في تعريته، ونزع اللباس والثياب عنه، وعن زوجته كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]؟ ما الذي تسبب في هذا العري حتى جعل آدم على عورته ورقاً من أوراق الجنة؟ إنه ذنب عصى فيه ربه، ألا وهو: ﴿لا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة:٣٥]، فاقترب منها آدم وزوجته ﵉.