دروس للشيخ مصطفى العدوي
لزوم الإخلاص لله في الشهادة
﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق:٢] أي: أنتم يا شهود عليكم إقامة الشهادة لا لعرض من أعراض الدنيا ولا لثناء، ولكن الشهادة تقام لله، ولذلك يقول العلماء في الشهادة على وجه الخصوص: كما أن فيها حقاً للعبد ففيها حق لله سبحانه.
وشأن الشهادات بصفة عامة يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥] أي: شهادتكم لله ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء:١٣٥] فلا تشهد لفقير لكونه فقيراً فتقول: هذا ضعيف أشهد له.
ولا تشهد لغني لكونه غنياً سوف يعطيك، بل الشهادة تقام على وجهها لله، ولا تراعى فيها العواطف، يقول الله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء:١٣٥] فالله أرحم بهما منكم؛ ليس عليك إلا أن تقيم الشهادة.
فعلى ذلك هنا تحول في الخطاب، صورته أن الله قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] فهذا خطاب لعموم المطلقين ولأهل النساء، ثم تحول الخطاب إلى الشهداء في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا﴾ أنتم أيها الشهداء ﴿الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ فهذا يسميه العلماء: التفات في الخطاب، وله صور في كتاب الله، ومنه في سورة الإنسان ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:٢٢]، فبعد أن حكا عنهم ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان:٢٢] تحول إلى الخطاب (وكان) وكذا قوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس:٢٢] تحول أيضاً الخطاب.
﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾ [الطلاق:٢] الوعظ يطلق على التذكير، ويطلق على الزجر كما هو هنا، ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾ [الطلاق:٢] أي: يزجر به، أو يذكر به، ﴿مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢] وهذه من ثمرات التقوى، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٣] فيفيد أن التقوى سبب في سعة الرزق، والوقوف على حدود الله سبب في سعة الرزق وإن توهم متوهم غير ذلك.
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] أي: ومن يكل أموره إلى الله فالله كافيه وناصره وحافظه ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: ومن يتخذ الله وكيلاً له فالله يكفيه سبحانه، فهو نعم الوكيل.
﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق:٣] أي: ينفذ الذي يريده ﷾، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٣] أي أن كل شيء له قدر.