دروس للشيخ مصطفى العدوي
صور سعي العباد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده رسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
وبعد: أقسم الله ﷾ في كتابه الكريم بقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل:١ - ٣]، يقسم الله ﷾ بهذا كله على شيء ألا وهو: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤] أي: السعي الذي نقوم به في حياتنا الدنيا متنوع ومختلف ومتعدد، فمنا من يسعى للآخرة، ومنا من يسعى للدنيا، منا من يسعى لطلب المال والجاه في الحياة الدنيا، ومنا من يسعى لرفعة درجاته في الآخرة، منا من يسعى في أعمال البر والصلاح، ومن الناس من يسعى في أعمال الشر والفساد، وقد قال الله ﷾ في كتابه الكريم: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ [النجم:٣٩ - ٤١]، فأفادة الآية الكريمة أن السعي الذي نقوم به في دنيانا سنراه في أخرانا، كما قال تعالى في الآية التي سمعتموها: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ [النجم:٤٠ - ٤١]، فمنا من سعيه مشكور، كما قال الله سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء:٩٤]، وفي هذا أيضاً يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩]، وقال الله في شأن أقوام آخرين: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]، فلابد من أن نرى جزاء سعينا كما وعد ربنا، فهو أصدق القائلين ﷾، وكذلك لا بد أن تبلى السرائر كما قال ربنا ﷾، والحَكَم على السعي الصالح المحمود المشكور والسعي الباطل المردود هو كتاب الله ﷾ وسنة نبيه محمد ﷺ، فمن أراد أن يتقن السعي فلينظر إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ﷺ؛ ففيهما الحكم على سعيك، هل هو سعي مشكور يشكره لك ربك ﷾ أم هو سعي باطل مردود؟ ولذلك كان لزاماً علينا كي نتقن العمل أن نتعلم كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ، فليس كل عامل يثاب على عمله، بل هناك من يعمل ويعاقب على هذا العمل؛ فالله ﷾ ذم المرائين في كتابه، وبين أنه قد أحبط عملهم، وكذلك ذمهم نبينا محمد ﷺ في سنته، قال سبحانه في شأنهم: ﴿وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، وقال الله في الحديث القدسي: (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) أو كما قال ﵊.
فجدير بنا في كل عمل من أعمالنا أن نتعلم كيفية إتقان العمل من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ، فكثير من الناس يتقنون أمر دنياهم أيما إتقان، يسهرون الليل والنهار لإتقان أمور دنياهم؛ لنيل المراتب العلية في الدنيا، ولنيل المال الوفير في الدنيا، ويغفلون تمام الغفلة عن إتقان العمل للآخرة، وقد تقدم شيء مما يتعلق بإتقان العمل في الصلاة.