Skip to content

لقاء الباب المفتوح تفسير قوله تعالى: (إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا)

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Printed page ٢١٨/ ٤

تفسير قوله تعالى: (إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً)

قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:١٨] .

﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ﴾ أصلها (إن المتصدقين) لكن قلبت التاء صاداً لعلة تصريفية معروفة عند أهل النحو، يعني: إن المتصدقين والمتصدقات.

قوله: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أي: أنفقوا في سبيل الله إنفاقا حسناً، والإنفاق الحسن ما جمع شرطين: الأول: الإخلاص لله ﷿.

والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

فالمرائي الذي ينفق رياءً هل أقرض الله قرضاً حسناً؟! لا، فأي إنسان تصدق على فقير من أجل أن يراه الناس، فيقولون: فلان كثير الصدقة، هذا مرائي وصدقته لا تنفعه ولا تقبل منه؛ لأن كل عمل يراد به غير الله فهو غير مقبول، قال الله ﵎ في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) إنسان آخر صار يتعبد لله تعالى بعبادات غير مشروعة، صاحب بدعة، لكنه مخلص لو سألته: لم فعلت هذا؟ قال: أريد ثواب الله، أريد التقرب إلى الله.

هل تنفعه العبادة؟ لا، لعدم المتابعة.

فإذاً يكون قوله ﷿: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [الحديد:١٨] أي: المخلصين فيه لله ومتبعين لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وهنا سؤال: (أقرضوا الله) هل الله فقير حتى يقرض؟! حاشا وكلا ليس فقيراً، (لقد كفر الذين قالوا إن الله فقيرٌ ونحن أغنياء) إذاً كيف يقول: أقرضوا الله؟ يقول هذا جل وعلا ليبين أن أجرهم مضمون كما أن القرض مضمون، أنا لو أقرضت شخصاً ألف ريال ثبت في ذمته ولا بد أن يوفيني، كذلك جعل الله ﷿ التعبد له بمنزلة القرض، أي: أنه مضمون سيرد عليك.

الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.

لكن كيف تكون الواحدة بعشرة وهذا ربا في القرض؟!

أولاً: لا ربا بين العبد وبين ربه.

ثانياً: إذا أعطاك المقترض شيئاً بدون شرط فهو حلال، أي: لو استقرض منك ألف ريال وأعطاك ألفاً ومائة بدون شرط فهو حلال؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استقرض بكراً -البكر أي: بعيراً صغيراً- ورد خيراً منه، وقال: (أحسنكم أحسنكم قضاءً) هل المقرض استفاد أم لا؟ استفاد، لكنه استفاد بلا شرط، ولهذا تجدون عبارة الفقهاء: (كل شرطٍ جر نفعاً للمقرض فهو ربا) انظر (كل شرط) ولم يقولوا: كل زيادة.

إذاً: إذا قال قائل: إن الله ﷿ يجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وقد سمى الله تعالى الإنفاق في سبيله قرضاً فكيف يصح أن يجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف؟ قلنا: الجواب من وجهين: الأول: أنه ليس بين العبد وبين ربه ربا.

ثانياً: أن الزيادة إذا لم تكن شرطاً فهي جائزة وهذه تدل على كرم الموفي.

قال تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ هذه خبر إنَّ، أي: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ [الحديد:١٨] أي: يعطون أجرهم مضاعفاً، عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.

قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:١٨] أي: ثوابٌ كريم، والكريم هو الحسن الطيب، وذلك أن الجنة فيها ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

هذا كريم، وأصل الكرم الحسن، ودليل هذا: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ معاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: (وإياك وكرائم أموالهم) أي: إذا أخذت الزكاة اجتنب كرائم الأموال، أي: أحاسنها: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) .