لقاء الباب المفتوح
تفسير قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود)
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [ق:١٢-١٤] :- ذكر الله هؤلاء المكذبين لفائدتين: الفائدة الأولى: تسلية الرسول ﷺ بأنه ليس أول رسول كُذِّب، بل قد كُذِّبَت الرسل من قبله، كما قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت:٤٣] فقيل: إنه شاعر، وقيل: إنه مجنون، وقيل: إنه كاهن، وقد قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٥٢] .
هذه فائدة لذكر قصص الأمم السابقة، وهي تسلية النبي ﷺ؛ لأن الإنسان إذا رأى غيره قد أصيب بمثل مصيبته، يتسلى بلا شك، وتهون عليه المصيبة.
الفائدة الثانية: تحذير المكذبين للرسول ﷺ، ولهذا قال في آخر ما ذكر: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق:١٤] ، أي: حق عليهم وعيد الله بالعذاب، وقد قال ﷿: ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت:٤٠] أي: كل واحد من هذه الأمم جُوْزِي بمثل ذنبه فعوقب بمثل ذنبه.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾ ، قوم نوح كذبوا نوحاً ﵊ وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، تسعمائة وخمسون سنة وهو يدعوهم إلى الله ﷿؛ ولكن لم يستفيدوا من ذلك شيئاً، كلما دعاهم ليغفر الله لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم -أي: غطوا- واستكبروا استكباراً، وبقي فيهم هذه المدة، وقد قال الله تعالى في النهاية: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠] .
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾ أصحاب الرس: قوم جاءهم نبيهم ولكنهم قتلوه بالرس، وهي البئر، أي: حفروا بئراً ودفنوه، هذا قول، والقول الثاني: أصحاب الرس: قوم حول ماء، وليسوا بالكثرة الكاثرة، ومع هذا كذبوا رسولهم.
﴿وَثَمُوْدُ﴾ وهم قوم صالح في بلاد الحِجر المعروفة، كذبوا صالحاً وقالوا: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٧٧] وهذا تحدٍّ، فماذا فعل الله بهم؟ أرسل عليهم صيحة ورجفة، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود:٦٧] .