Skip to content

لقاء الباب المفتوح كلام حول مسألة التكفير

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Printed page ٩٧/ ٢٦

كلام حول مسألة التكفير

فضيلة الشيخ! عنك خرجت في الآونة الأخيرة بعض الكتب، والكتيبات، والنشرات؛ تتكلم في مسألة عظيمة وهي مسألة الكفر، وذلك أن الذين تكلموا في هذه المسألة انقسموا إلى قسمين: منهم من يتشدد فيكفر الحكومات ومن يعمل بها، ويكفر كذلك المجتمعات.

ومنهم -وهو الصنف الثاني- من تساهل في هذا الأمر وقال: إن الكفر لا يكون في الكفر العملي أي: لابد أن يكون في الاعتقادي، ولابد أن يكون تكذيباً وجحوداً، وإذا لم يكن كذلك فليس هناك كفر.

وبين يديَّ رسالة تكلمت في هذه المسألة، وانتشرت بين الناس، وطبعت بكثرة، ووزعت على الناس، وهي مسألة: إحكام التقرير في أحكام مسألة التكفير لمصنف سمى اسمه: بـ مراد شكري، وذكر في هذا الكتاب مسائل كثيرة، أذكر نموذجين يا فضيلة الشيخ.

قال في الصفحة السابعة عشرة: وهذه السطور أخي الموفق لخصت فيها أقوال نحارير أهل العلم، وأكابرهم في كل عصر، أعلم الناس بمقالات السلف ومن بعدهم، وأعيد لك التلخيص بألخص منه مرة أخرى: فلا يكفر قطعاً إلا المكذب للنبي ﷺ، ولا يثبت التكذيب للنبي ﷺ إلا بعد ثبوت أمرين اثنين: الأول: ثبوت النص قطعياً بإجماع ضروري متواتر أنه صدر عن النبي ﷺ.

والثاني: ثبوت المعنى كذلك بإجماع متواتر ضروري أن النبي ﷺ أراد كذا.

وعندها نجزم أن المخالف لهذين الشرطين مكذب، ومثله الجاحد؛ فهو مكذب للنبي ﷺ بلا أي شبهة، ولا عارض تأويل؛ فهو كافر، فاعلم واحرص على هذا التحقيق، واحرز دينك من الموسوسين.

وقال في الصفحة الثامنة والعشرين بعد أن ذكر أقوال الناس: فهذه النصوص -يعني: الأقوال- المتقدمة ظاهرة وجلية أن الكفر هو: تكذيب النبي ﷺ، والجحود هو الاستحلال والعناد والإنكار والنفي كلها بمعنى، وبهذا التقرير لا يمكن أن يكون عملٌ من الأعمال كفراً ناقلاً عن الملة إلا إذا تضمن ضرورة وقطعاً التكذيب وذلك مثل: سب الله، أو سب الرسول ﷺ، أو السجود لصنم، أو إلقاء المصحف في القذر، ومثل ذلك دون أي شبهة تتعرض أو إشكال يفترض.

فما توجيهكم فضيلة الشيخ في هذين الصنفين؟

هذه مسألة كما ذكرت خطيرة وهي التكفير والتبديع والتفسيق وما إلى ذلك، تجد بعض الناس يتحاشى أن يقول: هذا حلال أو هذا حرام إلا بعد أن يكون ذلك ثابتاً بالشرع.

ويقول: ليس لي أن أحلل وأحرم، التحليل والتحريم من الله ورسوله، لكنه في مسألة التكفير يتساهل، ويكفر من لا يكفره الله ورسوله، ولم يعلم هذا المسكين أن خطر التكفير أعظم من خطر التحليل والتحريم؛ لأن من كفر من ليس أهلاً عاد كفره عليه كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سواءً قلنا: إنه يعود إليه شرعاً، أو يعود إليه قدراً، فهو لن يتخلص من أن يكون كافراً إذا كفر من لم يكفره الله ورسوله.

وأما حصر التكفير بالاعتقاد فهذا غلط أيضاً ومخالف للقرآن وللسنة وأقوال السلف: أما القرآن: فإن الله تعالى ذكر عن إبليس أنه كفر مع أن إبليس مقر بالله ﷿ وعالم بما له من الأسماء والصفات والقدرة، ومع هذا كفر بتركه السجود الذي أمر به، وهذا ليس كفراً عقدياً بل هو كفر عملي.

وأما السنة: فقد ثبت عن النبي ﷺ أن قال: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) ، وقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) وهذا كفر عملي يكفر بترك الصلاة مع اعتقاده وجوبها.

وأما مخالفته لأقوال السلف: فقال عبد الله بن شقيق ﵀: [كان أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال -وانتبه إلى قوله من الأعمال- تركه كفر غير الصلاة] .

فالكفر نوعان: كفر جحود وتكذيب، وكفر استكبار وإباء، وكلاهما ثابت.

وأما المفرط الذي يكفر كل إنسان كان على غير رأيه فهذا أيضاً على خطر عظيم، ويشبه أن يكون من الخوارج الذين يكفرون بالكبيرة، ويقولون: إن فاعل الكبيرة كافر مخلد في النار.

فعليك بالطريق الوسط لا تتجاوز ما دل عليه الكتاب والسنة، والعباد عباد الله، هو الذي يحكم بكفر هذا أو إسلام هذا، وأنت لست محللاً ولا محرماً، ولا مكفراً ولا نافياً للكفر، الأمر إلى الله ﷿.

فرأيي: أن هؤلاء مفرطون، وهؤلاء مفرطون، فمن كفر بكل شيء فهو مفرط، ومن نفى الكفر العملي فهو مفرط.