شرح مقامات الحريري
فظاهره أن المنار الذي يهتدي به إلى الطريق لا يهتدي به. وهو في المعنى قد جرّد الطريق من المنار، وإنما أراد: ليس به منار أصلا، فليس ثمّ اهتداء، فنفي المسبب الذي هو الاهتداء، وأثبت السبب الذي هو المنار في اللفظ، واتكل على قوّة دلالة المعنى، وأن مراده نفي سبب الهداية الذي هو المنار فتنتفي الهداية، ومثله قول النابغة: [البسيط]
يحفّه جانبا نيق ويتبعه ... مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد (١)
أي ليس بها رمد فتحتاج إلى كحل.
وقال الراجز: [الرجز]
* ولم يقلّب أرضها البيطار (٢) *
وقال الله ﷿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ [الإسراء: ١١١] وهو كثير في الكلام.
التتبيع
وهو أن يريد الشاعر معنى فلا يأتي باللفظ الدال عليه، بل بلفظ تابع له، فإذا قال التابع أبان عن المتبوع، وأبدع ما في ذلك قول عمر بن أبي ربيعة: [الطويل]
بعيدة مهوى القرط إمّا لنوفل ... أبوها وإمّا عبد شمس وهاشم
ذهب إلى طول العنق، فلم يذكره بلفظ خاص به أتى بمعنى دلّ به على طوله، وهو قوله: «بعيدة مهوى القرط». ومثله قول الآخر: [الطويل]
نعلّق في مثل السّواري سيوفنا ... وما بينها والكفّ مهوى نفانف (٣)
فأراد نعلّق سيوفنا في أعناق مثل السواري في الطول والاعتدال، وما بين العنق