Skip to content

مجلة المنار محاورة الماء والنار في توليد البخار

مجلة المنار

محمد رشيد رضا

Printed page ٣/ ٧٦٢

الكاتب: محمد رشيد رضا

Editor's text

محاورة الماء والنار في توليد البخار

لأحد الفضلاء

وضع الماء البرود في المرجل , والتهب العشب تحته واشتعل وهو يستجير

من النار , ولا مستجيب لمن استجار , ويستغيث , ولا مغيث , قد تطاير من الغيظ

شراره , وأحاطت بالدهماء ناره , وسرى الحرور , في جسم التأمور [١] , ولم يقو

حجاب المرجل الكثيف , على رد ذلك الساري اللطيف , كأنما تحالفا على تصعيد

الأباب [٢] لسبب من الأسباب , وبينما تتساءل جواهر الماء , عما حل بها من

اللأواء , إذ خف الجزء الملامس لأسفل الإناء , وصعد مسرعًا كأن له حاجة في

السماء , فأمسك به سائر السلسال , ومنعه من الرقي في الحال , وخلع عنه ثوب

سُعاره [٣] , وبرَّد حر ناره , وما لبث الحزء الذي حل محله , أن صار مثله , وكلما

نزل شيء من الأباب إلى القرار , صب عليه الجَوْب سوط عذاب فلجأ إلى

الفرار [٤] فكثر الهيج والاضطراب , والأنين والانتحاب , وفكر كل في ساعة الفراق

ولمّا تقع , فبكى وتوجع , كأن ابن المعتز عناه بقوله:

وإذا فكر في البين بكى ... ويحه يبكي لما لم يقع

فقال الماء بلسان أزيزه للعشب , قولاً يفهمه ذو اللب , أيها الولد العاق لوالده

لم كويتني بنيرانك؟ ولولاي ما ذقت لذة الوجود فكيف قابلت إحساني بكفرانك , أما

أنا السبب في نموك ونضرتك , وبي اكتسبت حلل جمالك وبهجتك , فتبًّا لك على

هذا الجزاء , وبُعدًا لك يا عديم الوفاء , فأجابه العشب بلسان لهبه , وهو يتميز من

غضبه , أيها الجاني على نفسه بنفسه , والباحث على حتفه بظلفه , والأحمق الذي

لم يعر المستقبل نظره , ولم يجل فيه فكره , لا تنطق ببنت شفه , واعلم أنك من

الهلاك على شفا. نعم كنت أنت السبب في وجودي ولكن لشقائي وتعذيبي. فكيف

تفخر علي وما تراني فيه هو منتهى نصيبي , فأنا الآن أنتقم منك بما قدمت يداك ,

وأوقعك فيما أوقعتني فيه والدنيا شراك , ثم ما لبث الماء أن فار وغلى , وطلب

الصعود إلى العلى , فأخذت جواهره تودع بعضها , وتتطاير بخارًا ساكبة دمعها ,

تبكي على أيام قضتها في الراحة والطمأنينة , حيث لا نزاع ولا ضغينة , وقد فسح

الهواء لمرورها طريقًا , بعد أن ضيق عليه بضغطه تضييقًا. فذهب في وسط بارد

خلعت فيه ثوب حرارتها. ورجعت إلى قديم حالتها , وانقلب السخين سلاسلا [٥] ,

وعاد المسيط [٦] هلاهلا [٧] اهـ.