Skip to content

المنتقى شرح الموطإ [ما جاء في الحياء]

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Printed page ٧/ ٢١٣

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ قَالُوا بَلَى قَالَ إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَإِيَّاكُمْ وَالْبِغْضَةَ فَإِنَّهَا هِيَ الْحَالِقَةُ) .

مَا جَاءَ فِي الْحَيَاءِ

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ سَلَمَةَ الزُّرَقِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ رُكَانَةَ يَرْفَعُهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ» مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ» ) .

ــ

[المنتقى]

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلْعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلْعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهُ كَسَرْته وَإِنْ تَرَكْته لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» .

(ش) : قَوْلُ سَعِيدٍ إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ صَلَاحُ الْحَالِ الَّذِي بَيْنَ النَّاسِ فَذَكَرَ أَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ النَّوَافِلَ فَيَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا أَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ إكْثَارِ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَهُوَ أَيْضًا رَاجِعٌ إلَى النَّافِلَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا أَنَّهَا خَيْرٌ وَأَكْثَرُ ثَوَابًا بِمَا يُسْدِيهِ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ مَعَ مَا فِي إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ مِنْ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَالْمُنَاصَحَةِ وَالتَّعَاوُنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ كَثْرَةَ الثَّوَابِ تَكُونُ بِاحْتِسَابِ الْأَذَى.

(فَصْلٌ) :

وَقَوْلُهُ وَإِيَّاكُمْ وَالْبِغْضَةَ فَإِنَّهَا هِيَ الْحَالِقَةُ قَالَ الْأَخْفَشُ: أَصْلُ الْحَالِقَةِ مِنْ حَلَقَ الشَّعْرَ، وَإِذَا وَقَعَ الْفَسَادُ بَيْنَ قَوْمٍ مِنْ حَرْبٍ أَوْ تَبَاغُضٍ حَلَقَهُمْ عَنْ الْبِلَادِ أَيْ أَجْلَتْهُمْ وَفَرَّقَتْهُمْ حَتَّى يُخْلُوهَا، وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا لَا تُبْقِي شَيْئًا مِنْ الْحَسَنَاتِ حَتَّى يَذْهَبَ بِهَا كَمَا يَذْهَبُ الْحَلْقُ بِالشَّعْرِ مِنْ الرَّأْسِ حَتَّى يَتْرُكَهُ عَارِيًّا.

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «بُعِثْت لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ» ) .

(ش) : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بُعِثْت بِالْإِسْلَامِ لِأُتَمِّمَ شَرَائِعَهُ، وَحُسْنُ هَدْيِهِ وَزِيِّهِ وَسَمْتِهِ حُسْنُ الْأَخْلَاقِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ وَإِنْ كَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ أَخْلَاقًا بِمَا بَقِيَ عِنْدَهُمْ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ الشَّرَائِعِ قَبْلَهُمْ، فَقَدْ كَانُوا أَضَلُّوا بِالْكُفْرِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا وَمِنْهَا مَا خُصَّ بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ فَتَتِمُّ بِالْأَمْرَيْنِ مَحَاسِنُ الْأَخْلَاقِ.

وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ وَمَنْ تَخَلَّقَ بِأَوَامِرِ الْقُرْآنِ أَوْ نَوَاهِيهِ كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا.

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ حُسْنِ الْأَخْلَاقِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ امْتِثَالَهُ إلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ ﷿ فَكَيْفَ سَائِرُ مَا تَضَمَّنَهُ الْقُرْآنُ وَسُنَّةُ النَّبِيِّ ﵇.

[مَا جَاءَ فِي الْحَيَاءِ]

(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ» يُرِيدُ سَجِيَّةً شُرِعَتْ فِيهِ، وَخَصَّ أَهْلَ ذَلِكَ الدِّينِ بِهَا وَكَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ أَعْمَالِهِمْ الَّتِي يُثَابُونَ عَلَيْهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ سَجِيَّةً تَشْمَلُ أَهْلَ ذَلِكَ الدِّينِ أَوْ أَكْثَرَهُمْ أَوْ تَشْمَلُ أَهْلَ الصَّلَاحِ مِنْهُمْ وَتَزِيدُ بِزِيَادَةِ الصَّلَاحِ، وَتَقِلُّ بِقِلَّتِهِ، وَإِنَّ خُلُقَ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ وَالْحَيَاءُ يَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ أَوْ عَلَيْهِمَا، وَالْمُرَادُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْحَيَاءُ فِيمَا شُرِعَ الْحَيَاءُ فِيهِ فَأَمَّا حَيَاءٌ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ «، وَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» .

وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ لَا يَتَعَلَّمُ مُسْتَحٍ وَلَا مُتَكَبِّرٍ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَرِدْ شَرْعٌ بِالْحَيَاءِ الْمَانِعِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْحُكْمِ بِالْحَقِّ وَالْقِيَامِ بِهِ وَأَدَاءِ الشَّهَادَاتِ