وأنبّه إلى أن بعضَ العلماءِ علّلَ عدمَ أخذِ أقوالِ المذاهب المندثرةِ بأنَّها نُقِلَت إلينا بطريقِ الآحادِ، ولا تحصلُ الطمأنينةُ بهذا النقلِ (١).
وهذا التعليلُ بمفردِه فيه نظرٌ؛ إذ أقوالُ النبي ﷺ تثبتْ بنقلِ الواحدِ، فكيفَ يُقالُ بثبوتِ قولِ النبي ﷺ بطريقِ الآحادِ - وهو أعظم شأنًا - وبعدمِ ثبوتِ قولِ العالمِ إذا نُقِلَ بطريقِ الآحادِ؟ !
ثامنًا: نصَّ غيرُ واحدٍ من الأصوليين على انحصارِ الحقِّ في أقوالِ المذاهب الأربعةِ - وليس حديثي هنا عن مسألةِ انحصارِ الحقّ فيها - ويرتبطُ القولُ بانحصارِ الحقّ في المذاهب الأربعةِ بمسألةِ: (حكم التمذهبِ بمذهبِ مندثرٍ)؛ لأنَّ القائلَ بانحصارِ الحَقِّ فيها لا يَرَى حاجةً إلى الأخذِ بقولِ إمامِ مذهبِ مندثرٍ، فضلًا عن التمذهبِ بمذهبِه والتزامه.
يقولُ بدرُ الدّينِ الزركشي: "وقد وَقَعَ الاتفاقُ بين المسلمين على أن الحقَّ منحصرٌ في هذه المذاهب - أي: المذاهب الأربعة - وحينئذٍ، فلا يجوزُ العملُ بغيرِها" (٢).