Skip to content

الحاوي الكبير فصل: اعتراض ورد

الحاوي الكبير

الماوردي

Printed page ١/ ١٢

فَصْلٌ

: وَأَمَّا قَوْلُهُ: " مِنْ عِلْمِ الشَّافِعِيِّ " فَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ مَنْ ذَكَرْنَا، وَقَالُوا: عِلْمُ الشَّافِعِيِّ لَا يُمْكِنُهُ اخْتِصَارُهُ لِأَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُضْمَرٌ فِي النَّفْسِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِلْمَ عَرَضٌ، وَالْعُرُوضُ يَسْتَحِيلُ اخْتِصَارُهَا. وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ فَاسِدٌ بِمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ مُرَادِ الْمُزَنِيِّ بِهِ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِهِ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ ﵀: أَرَادَ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ فَعَبَّرَ بِالْعِلْمِ عَنِ الْكُتُبِ، لِأَنَّهُ قَدْ يُوصَلُ بِهَا إِلَى الْعِلْمِ كَمَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ٤٨] ، أَيْ مِنْ كِتَابٍ، وقال أبو علي ابن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَرَادَ مِنْ مَعْلُومِ الشَّافِعِيِّ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْعِلْمِ، لِأَنَّهُ حَادِثٌ عَلَى الْعِلْمِ كَمَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَلا يحيطون بشيء من علمه﴾ ، أَيْ مِنْ مَعْلُومِهِ، وَمَعْلُومُ الشَّافِعِيِّ مَا أُخِذَ عنه قولا ورسما.

فصل: اعتراض ورد

وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَمِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ " فَقَدِ اعْتَرَضَ فِيهِ مَنْ ذَكَرْنَا، وَقَالُوا: الْمَعْنَى هُوَ صِفَةُ الْحُكْمِ وَاخْتِصَارُهُ مُبْطِلٌ لَهُ. وَهَذَا جَهْلٌ بِمَقْصُودِ الْكَلَامِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِ الْمُزَنِيِّ بِمَا اخْتَصَرَهُ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ اخْتِصَارَ الْمَعْنَى هُوَ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْهُ بِأَوْجَزِ لَفْظٍ، وَأَخْصَرِ كَلَامٍ. وَقَدْ أَفْصَحَ الْمُزَنِيُّ بِهَذَا فِي أَوَّلِ جَامِعِهِ الْكَبِيرِ فَقَالَ: وَلَيْسَ اخْتِصَارُ الْمَعَانِي هُوَ تَرْكُ بَعْضِهَا وَالْإِتْيَانُ بِالْبَعْضِ، وَلَكِنِ الْإِتْيَانُ بِالْمَعَانِي بِأَلْفَاظٍ مُخْتَصَرَةٍ.