تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة
اختاروا؛ ولكنه عبر بهذا؛ لأن المشتري طالب راغب في السلعة؛ فكأن هؤلاء ــ والعياذ بالله ــ طالبون راغبون في الضلالة بمنزلة المشتري؛ و ﴿الضلالة﴾ هنا كتمان العلم؛ فإنه ضلال؛ وأما «الهدى» فهو بيان العلم ونشره.
وقوله تعالى: ﴿بالهدى﴾: الباء هنا للعوض؛ ويقول الفقهاء: إن ما دخلت عليه الباء هو الثمن؛ سواء كان نقداً، أم عيناً غير نقد؛ فإذا قلت: اشتريت منك ديناراً بثوب، فالثمن الثوب؛ وقال بعض الفقهاء: الثمن هو النقد مطلقاً؛ والصحيح الأول؛ والثمن الذي دفعه هؤلاء هو الهدى؛ فهم دفعوا الهدى - والعياذ بالله - لأخذ الضلالة.
قوله تعالى: ﴿والعذاب بالمغفرة﴾؛ فهم أيضاً اشتروا العذاب بالمغفرة؛ ولو أنهم بينوا، وأظهروا العلم لَجُوزوا بالمغفرة؛ ولكنهم كتموا، فجُوزوا بالعذاب.
قوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾؛ «ما» تعجبية مبتدأ؛ وجملة ﴿أصبرهم﴾ خبرها؛ والمعنى: شيء عظيم أصبرهم؛ أو ما أعظم صبرهم على النار؛ وهذا التعجب يتوجه عليه سؤالان:
السؤال الأول: أهو تعجب من الله أم تعجيب منه؛ بمعنى: أيرشدنا إلى أن نتعجب ــ وليس هو موصوفاً بالعجب؛ أو أنه من الله ــ؟
السؤال الثاني: أن قوله: ﴿فما أصبرهم﴾ يقتضي أنهم يصبرون، ويتحملون مع أنهم لا يتحملون، ولا يطيقون؛ ولهذا يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب﴾ [غافر: ٤٩]؛ وينادون: ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧] أي ليهلكنا؛ ومن قال هكذا فليس بصابر؟