Skip to content

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

أبو طالب المكي

Printed page ٢/ ٣٤٥

أبا عبد الله؟ فقال: قد بلغني عن قرية فيها رخص، فأنا أريد أن أقيم بها، فقلت: وتفعل هذا يا أبا عبد الله؟ قال: نعم إذا بلغك عن قرية فيها رخص فأقم بها، فإنه أسلم لدينك، وأقلّ لهمّك، وقد كان سري السقطي يقول للصوفية: إذا خرج الشتاء ودخل آذار وأورقت الأشجار طاب الانتشار، ومن أفضل الأسفار ما خرج له في سبيل الله ﷿ من الجهاد والحجّ والرباط وزيارة قبر النبي ﷺ، ثم زيارة أصحابه، محتسباً بذلك ما عند الله ﷿، والسفر في زيارة الأخ في اللهّ ﷿ مستحبّ مندوب إليه، روينا في خبر عن بعض أهل البيت ﵈ وقيل: مكتوب في التوراة سرْ ميلاً عد مريضاً، سرْ ميلين شيّع جنازة، سرْ ثلاثة أميال أجب دعوة، سرْ أربعة أميال زر أخاً في الله تعالى، وفي الخبر: أنّ رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى فأرصد الله ﷿ على مدرجته ملكاً، فقال: أين تريد؟ فقال: أخاً لي في هذه القرية أزوره، قال: أبينك وبينه رحم تصلها؟ قال: لا، قال: فله عليك نعمة تردها، قال: لا إلا ّ أني أحببته في الله ﷿، قال: فإني رسول الله إليك يبشرك بالجنة ويخبرك أنه قد غفر لك بزيارة أخيك، وإن سافر إلى بعض الثغور ناوياً رباط أربعين يوماً أو ثلاثة أيام فحسن، وإن قصد عبادان فرابط فيها ثلاثاً فقد أسابها ثلاثمائة من العلماء والعباد للرباط فيها ما يجله وصفه.

روي عن عليّ ﵇ أنه سأل رجلاً بالبصرة أن يرابط بعبادان ثلاثاًِ ويشركه في صحبته، وقال بعض العارفين: كوشفت بالأمصار فرأيت الثغور كلها تسجد لعبادان، ومن قصد في سفره أحد المساجد الثلاث المندوب إليها لشدّ الرحال فهو أفضل، أولاها المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ، ومسجد بيت المقدس، فيقال: من جمع الصلاة في هذه المساجد الثلاث من سنته غفرت له ذنوبه كلها، ومن أهل بحج أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وخرج ابن عمر من المدينة قاصداً إلى بيت المقدس حتى صلّى فيه الصلوا ت الخمس، ثم كرّ راجعاً من الغد إلى المدينة، وسأل سليمان ﵇ ربه تعالى: إنّ من قصد هذا المسجد لا يهمه إلاّ الصلاة فيه أن لا تصرف نظرك عنه ما دام مقيماً فيه حتى يخرج منه، وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه فأعطاه الله تعالى ذلك، وأما فضائل المسجدين في الحرمين حرم الله ﷿ وحرم رسوله ﷺ فأكثر من أن نذكرها، وإن سافر طلباً للحلال وهويأمن طعمة الحرام فذانك له قربتان، وقد فعله صالحو السلف في كل زمان، وليكن العبد في سفره مراعياً لهمه، حافطاً لقلبه من التشتّت والطمع