مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
الفصل الثالث: أسباب انحراف الأمة عن المنهج الصحيح
المبحث الأول: الغلو في الدين
لقد بدأت البشرية على التوحيد لله تعالى منذ أن أهبط آدم ﵇ إلى الأرض، قال ابن عباس ﵄: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام" (١) .
إلا أن الناس بعد ذلك تعلقوا بالصالحين، وغَلَواْ فيهم، وبدأ الانحراف في العقيدة، في أولئك القوم الذين بعث الله فيهم نوحاً ﵇، بعد أن زين لهم الشيطان عبادة الأصنام، بسبب الغلو في الصالحين.
فقد روى البخاري ﵀ في صحيحه عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ (٢) . قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم ففعلوا، ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم فعبدت (٣) .
إن الغلو داء عضال وسرطان فتاك، يفسد العقيدة، ويهلك الشعوب، وما ذاك إلا لأنه تعدٍّ لما أمر الله به، وتجاوز للمشروع الذي شرعه الله، ولهذا حذر الله عباده من الغلو في الدين، والإفراط بالتعظيم، سواء بالاعتقاد أو القول أو الفعل، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٤) .