فتاوى دار الإفتاء المصرية
من رحمة النبى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن النبى ﷺ طلب من الله أن يجعل دعاءه على المؤمن رحمة له؟
الجواب
روى البخارى ومسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: "اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر، وإنى قد اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة" وفى رواية لمسلم "فأيما أحد دعوت عليه من أمتى بدعوة ليس هو لها بأهل ... " فإن قيل: كيف يدعو بدعوة على من ليس لها بأهل؟ قيل -كما نقله ابن حجر عن المازرى- المراد ليس بأهل لذلك عند الله فى باطن الأمر لا على ما يظهر مما يقتضيه حاله وجنايته حين دعا عليه، فكأنه يقول: من كان فى باطن أمره عندك ممن ترضى عنه فاجعل دعوتى عليه -التى اقتضاها ما ظهر لى من مقتضى حاله حينئذ-طهورا وزكاة.
وهذا صحيح لأن الرسول متعبد بالظواهر وحساب الناس فى البواطن على الله. وما فعله كان اجتهادا، أو لم يكن مقصودا، بل هو مما جرت به عادة العرب فى كلامها بلا نية، كقوله لغير واحد "تربت يمينك " وهذا نادر من النبى فهو لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا لعانا ولا منتقما لنفسه "الزرقانى على المواهب ج ٥ ص ٢٤١" وفى تفسير القرطبى "ج ١٠ ص ٢٢٦": أن النبى ﷺ سَلَّمَ أسيرا إلى أم المؤمنين سودة، فبات يَئنُّ، فسألته فقال: أنينى لشدة القِدَ والأسر، فأرخت من كتافه، فلما نامت هرب، فأخبرت النبى ﷺ فقال "قطع الله يديك " فلما أصبحت كانت تتوقع الآفة، فقال ﷺ:
"إنى سألت الله أن يجعل دعائى على من لا يستحق من أهلى رحمة، لأنى أغضب كما يغضب البشر" ونزلت الآية ﴿ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا﴾ الإسراء: ١١٠، ذكره القشيرى أبو نصر ﵀. انتهى ولم يبين درجة هذه الرواية، وهى خاصة بدعائه على أهله، أما رواية مسلم فهى عامة فى كل من يدعو عليه النبى ﷺ، وهى أليق بما وصف به من الرحمة الشاملة لأهل بيته وغيرهم ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ التوبة: ١٢٨، بل الشاملة لمن آمن به ومن لم يؤمن ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ الأنبياء: ١٠٧، بل الشاملة للحيوانات أيضا، والأخبار فى ذلك كثيرة