أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي
وحُكِي لي عن بعض أهل العلم أنه قال: يجتنبون كبائر الإثم والفواحش واللمم، وهو قول فاسد، لأنه يُبطل قولَه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢]، فإذا اجتنبوا اللَّمَم فأي شيء يغفر لهم؟
واللَّمَم عند العرب، ألا يكون الإنسان مقيمًا على الشيء، يقال: ما فعل ذلك إلا لَمَمًا، وإلا لَمّا، على الحين بعد الحين، ويقال: مُصِرٌّ، إذا كان الفعل له عادة، فإن تركه ونزع عنه كان تائبًا، قال اللَّه ﷿: ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، ثم ضمن لهم الثواب فقال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦]، وقال بعقب اللمم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَة﴾، فذم المُصِر، ومدح التائب.
قال أبو صالح: سئلت عن قول اللَّه ﷿: ﴿يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ فقلت: هو الرجل يُلم بالذنب أو الخطيئة ثم لا يعاود، فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: لقد أعانك عليها مَلَك كريم (١).
فجاء هذا التفسير على تعارف العرب، وتلقّاه ابنُ عباس بعرَبيته التي نزل بها القرآن، والعرب تقول: إنما زيارتك لِمام، وإنما تفعل لِمامًا، قال جرير:
بنفسي من تَجَنُّبُه عزيزٌ ... عليَّ ومَن زيارتُه لِمامُ (٢)
وقال وَضّاح اليمن:
فما نَوَّلْتُ حتى تضرعْتُ حولَها ... وخَبَّرْتُها ما رخصَّ اللَّه في اللَّمَمِ (٣)
فاللَّمَمُ عندي واللَّه أعلم، التي تكون فيندَم عليها ولا يُعاوِدها المُذنِب، وهو أصحُّ الوجوه في ذلك.