Skip to content

شرح كتاب الرقاق من صحيح البخاري - المغامسي [٣] شرح حديث أبي هريرة عندما كان يغمى عليه من شدة الجوع

شرح كتاب الرقاق من صحيح البخاري - المغامسي

صالح المغامسي

Printed page ٣/ ٢

شرح حديث أبي هريرة عندما كان يغمى عليه من شدة الجوع

الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فنستأنف بحمد الله تعالى التعليق على كتاب الرقاق من صحيح البخاري رحمه الله تعالى، وكما جرت العادة سيقرأ أخوكم، ثم نعلق إن شاء الله تعليقاً موجزاً على الحديث.

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه وتخليهم عن الدنيا.

عن أبي هريرة ﵁: (أنه كان يقول: آلله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماًَ على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: يا أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: الحق، ومضى فتبعته، فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخل فوجد لبناً في قدح فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال، ولا إلى أحد إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة! كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة؛ أتقوى بها، فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بد، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا، فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت قال: يا أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: خذ فأعطهم، قال: فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم فقال: أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: بقيت أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله! قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، فقال: اشرب.

فشربت فما زال يقول: اشرب.

حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكاً.

قال: فأرني، فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة).

وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (اللهم ارزق آل محمد قوتاً)].

أراد المصنف بهذين الحديثين المتتابعين أن يبين كيف كان حال نبينا ﷺ وأصحابه في العيش، وما كانوا فيه من شظف العيش صلى الله على نبيه ورضي الله عن أصحابه.

والحديث الأول تحدث فيه الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه حين ناداه النبي ﷺ وسماه بـ أبي هر، ومناداة الإنسان وتكنيته وترغيبه بالشيء المتلبس به أمر جاء به القرآن، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١]، وهذا ليس اسماً للنبي ﷺ، ولكنه نداء من الله جل وعلا لنبيه على الحالة التي كان متصفاً بها صلوات الله وسلامه عليه.

ومنه أيضاً قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١]، فإنه لما تدثر ﷺ في ثيابه ناداه ربه جل وعلا بالحال التي هو متلبس بها، وهذا من الهدي القرآني، وقد أخذه النبي ﷺ من تعليم الله جل وعلا إياه، فكان يستعمله مع أصحابه، فقال لـ علي ﵁ وأرضاه: (قم يا أبا تراب!).

وذلك لما كان ملتصقاً بالتراب وقد نام عليه.

وقال ﵊ لـ حذيفة في يوم الخندق: (قم يا نومان)؛ لأنه كان نائماً، وأبو هريرة وجد في طريقه هرة، فدخل على النبي ﷺ وهو يحملها، فلقبه النبي ﷺ أو كناه بـ أبي هر، كما هو ظاهر الحديث.

وهذا الموقف أحد الأيام التي عاشها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه في المدينة، وهو مهاجر إليها قادم من دوس المنطقة والمحافظة الموجودة على مقربة من محافظة الباحة اليوم، فصار ليس له أهل ولا عشيرة في المدينة، فأصابه الجوع، فلما أصابه الجوع استحيا أن يخبر الناس أنه جائع، فأراد أن يعرض تعريضاً؛ ليحفظ على ماء وجهه، فتعرض في طريق النبي ﷺ وأصحابه؛ حتى يشعرهم أنه يريد أن يسألهم، وهو إنما يريد أن يذهبوا به إلى البيت ليطعموه، فقال قبلها يصور موقفه وحالة الجوع التي تلبس بها: إني على إحدى حالتين: إما أن ألصق كبدي على الأرض؛ رجاء أن يذهب الجوع ويخف عني.

والحالة الثانية: أن يضع الحجر على البطن، وهذه هي عادة كانت عند أهل الحجاز قديماً، فيأتون للحجر على هيئة الكف المرصوف وتكون أشبه بالشيء الأملس، وأشبه بهيئة الكف، وكلما طال كان أحسن، فيضعونه على بطونهم، ثم يربطون عليه، حتى إذا أصابهم جوع وبلغ منهم مبلغاً لا يتثنون، حتى لا يراهم الرائي فيظن أن بهم سقماً أو شدة جوع، فينتصب البطن، فينتصب مع البطن الظهر، فمن يراهم من بعيد لا يشعر أن بهم جوعاً، فيكون هذا الحجر قائماً مقام صلب الظهر وشده، فأخذها أبو هريرة عنهم لما سكن المدينة، وصنعها رجاء أن يبقى ظهره صلباً، ورجاء أن يسكن جوعه إذا اجتمعت أطراف بطنه.

فمر عليه أبو بكر وعمر ﵄، فلم ينتبها له، وخيرة الله لـ أبي هريرة خير من خيرته لنفسه؛ لأن إطعام النبي ﵊ له خير من إطعام أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما له، فمر رسول الله ﷺ به فتبسم؛ لأنه عرف مراده، فلما عرف مراده قال: الحق، أي: طلب منه أن يلحق به، ومع أن النبي ﷺ هو الذي دعاه إلى اللحوق إلا أن أبا هريرة عندما وصل إلى الدار استأذن، ففهم منها العلماء أن الإنسان وإن كان مدعواً من صاحب الدار يجب عليه أن يستأذن، فاستأذن، فلما ناداه النبي ﵊ قال أبو هريرة ﵁ مجيباً: (لبيك يا رسول الله!)، فأخذ منها العلماء جواز قول: لبيك ولو في غير مناسك الحج، والمراد بها إجابة المنادي، فكيف إذا كان المنادي رسول الله ﷺ، (فلما دخل وجد النبي ﷺ لبناً)، قال العلماء من أهل التفسير وغيرهم: إن الإنسان قد يشرق بأي شيء من المشروبات، فيغص بالماء وغيره، لكن لا يعلم أن أحداً غص أو شرق باللبن؛ لأن الله ﷻ قال: ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل:٦٦]، وهو رمز للفطرة، فالنبي ﵊ في رحلة المعراج: (قرب له إناءان: إناء فيه خمر وإناء فيه لبن، فاختار اللبن، فسمع جبريل أو منادياً يقول: هديت للفطرة)، فهو رمز للفطرة في حياتنا، ورمز للعلم في المنام.

فلما وجد النبي ﷺ لبناً تعجب؛ لأنه يعلم أنه لا لبن في البيت، فأُخبر أن هذا مما أهدي له ﵊، وقد كان يأتيه ﵊ بعض الهدايا من جيرانه من الأنصار وغيرهم، ولم يكن يخلو من أحد حالين: إما أن يكون هدية وإما أن يكون صدقة، والنبي ﵊ تحرم عليه وعلى آل بيته الصدقة، فلا يقبلها، فإذا جاءت الصدقة بعث بها إلى أهل الصفة، وهم فقراء أضياف الإسلام في ناحية المسجد، وإن كانت هدية أشركهم معه صلوات الله وسلامه عليه، أي: بمعنى طعم منها وأشرك أهل الصفة معهم، فلما سأل عن هذا اللبن أخبر من أهل بيته أنه هدية، فأمر أبا هر ﵁ وأرضاه أن يذهب فيدعو أهل الصفة، فأساءه ذلك الأمر وقال: لكنه لم يكن من طاعة الله ورسوله بد، ساءه ذلك الأمر؛ لأن الإنسان مجبول أصلاً على حب نفسه، خاصة وأنه كان في حاجة ملحة إلى اللبن، واللبن إذ ذاك قليل، وقال: ما عسى أن يبلغ هذا اللبن من أولئك الأضياف، لكن هو امتثل لأمر الله وأمر رسوله ﷺ، فغدا إلى أهل الصفة فدعاهم، فما وقع من أبي هريرة ﵁ أنه استأذن رغم أنه كان مدعواً، وكذلك أهل الصفة ﵃ وأرضاهم فاستأذنوا فدخلوا، فلما دخلوا قام أبو هريرة مقام الخادم لرسول الله ﷺ؛ لأنه هو الذي دعاهم، فأصبح أقرب خصيصة إليه، فأمره أن يطوف بالقدح المملوء لبناً على هؤلاء الأضياف، فكان أبو هريرة تأدباً مع أضياف رسول الله ﷺ يعطي أحدهم الإناء، ثم يأخذه منه بعد أن يشرب، وبنفسه يعطيه للآخر، ثم يقف عند رأسه حتى ينتهي، ثم يأخذه منه، ثم يعطيه للذي بعده؛ لأن هؤلاء وإن كانوا صحابة دون النبي ﷺ، وإن كانوا كثيري التطواف على النبي ﵊؛ إلا أنهم يبقون أضيافاً، وإكرام الضيف جاء به الدين، وإكرام الضيف بالقول وبطرف العين وبالنظر وبالعبارات أهم من أكرامه طعاماً، والعرب تقول: وإني لعبد الضيف ما دام نازلاً وما لي شيمة غيرها تشبه العبد فالأحرار من الرجال لا يحتفون بأحد أكثر من احتفائهم لأضيافهم، والأحرار من الرجال كذلك، كما مر معنا في قضية أبي هريرة أنه لم يعرض بقضيته أنه جائع، وإنما أخذ كأنه يسأل؛ لعل النبي أو غيره يفهم أنه يحتاج، وكذلك الأحرار من الرجال -وهذا الطائفة الثالثة العالية- إذا عُرِّض أمامهم بالحاجة فهموها دون أن يصرح صاحبها؛ لأنه إذا صرح ال