شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - محمد حسن عبد الغفار
مكانة أبي بكر عند رسول الله
أما مكانته عند رسول الله فهو الصاحب، وهو الذي اقترن ذكره بذكر رسول الله لما قال له: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] أي: معية النصرة والتأييد كما شرحنا، وأيضاً: معية الذكر، فلا يذكر الله جل وعلا إلا ويذكر مع ذكره رسول الله ﷺ، وأيضاً: لا يذكر رسول الله إلا ويذكر معه غالباً خليفته أبو بكر ﵁ وأرضاه.
ولما جاء أبو بكر قال: (يا رسول الله! الهجرة الهجرة).
وكأنه يقول: أنت أذنت لأسد الله أن يهاجر، وكذا لـ عمر بن الخطاب ولكثير من الصحابة، أي: أذنت لهم أن يهاجروا وأنا أريد الهجرة في سبيل الله، فقال: (يا أبا بكر! امكث لعل الله يجعل لك صاحباً).
انظروا إلى هذا الفضل العظيم، فالله جل وعلا يبقي أبا بكر ولا يأذن له بالهجرة، مع أن قلبه شغوف بها، ويبقيه الله لأمر عظيم ولأمر جلل، هو صحبة رسول الله.
ولما جاءه الرسول ﷺ في يوم، فقال: (أعندك أحد؟ قال: هم أهلك يا رسول الله! فقال: أريدك في أمر، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: الصحبة يا أبا بكر!).
فبكى أبو بكر وجهز الرواحل وذهب مع رسول الله ﷺ، حتى إنه لما دخل الغار دخل مقدماً على رسول الله يقول: شمس الإسلام لا تشرق إلا من قبل رسول الله، أما أنا فكآحاد المسلمين لو مت مت فرداً من الأفراد، فدخل الغار ثم سد كل فتحة من فتحات الكهف، فما بقيت إلا فتحة واحدة، ودخل رسول الله فسدها أبو بكر برجله الشريفة فلدغته حية، فما أراد أن يوقظ رسول الله.
مما يدل على قوة الصحبة، امتلاء قلب أبي بكر بحب رسول الله، وكان رسول الله نائماً على فخذ أبي بكر ﵁ فخشي أن يوقظ رسول الله حتى بعد أن لدغته الحية، فما تحرك لمكان رسول الله من فخذه، فاستيقظ رسول الله ﷺ من دموع أبي بكر التي سقطت على وجهه، فلما علم الخبر وضع يده الشريفة على رجله، فبرأه الله جل وعلا من لدغة هذه الحية ببركة رسول الله، وبركة الصحبة.
فلما سار مع رسول الله قال: كنت أسير خلف النبي ﷺ، ثم أسير أمامه، ثم أسير في اليمين، ثم أسير في اليسار، ومن رآه يقول: ما للرجل لا يمشي في مكان واحد، وعلل ذلك الصديق بقوله: كنت أتذكر الطلب من الخلف فأمشي خلف رسول الله حتى أحمي ظهره، ثم أتذكر العدو من الأمام فأتقدم على رسول الله ﷺ حماية له، وأتذكر العدو من اليمين أو من اليسار فأذهب يميناً ويساراً.
ولما دخل مع رسول الله المدينة كان الناس يحسبون أن أبا بكر هو رسول الله، فلما جاءت الشمس على رسول الله قام أبو بكر بردائه يظلله فعرفوا أن هذا هو رسول الله ﷺ، لذلك كانت له المكانة العليا عند رسول الله ﷺ، فما كان يشاور أحداً قبل أن يشاور أبا بكر ﵁ وأرضاه.
ففي أسرى بدر أول ما ابتدأ النبي بالمشورة ابتدأ بـ أبي بكر وكان الحق معه على تفصيل سنبينه فيما بعد، ولما سألوا عن أسارى بدر، فبرحمته ورفقه ورأفته بالأمة قال له: يا رسول الله! أرى أن نأخذ منهم الفدية لعل الله جل وعلا أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله.
وهذا بالضبط هو الذي فعله النبي ﷺ عندما جاءه ملك الجبال وقال: (أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال رسول الله: لا، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله).
فالكلام الذي قاله أبو بكر ﵁ وأرضاه أخذ به رسول الله ﷺ.
وكان أبو بكر أحب عباد الله إلى رسول الله.
ولما أمّر رسول الله عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وفي الجيش أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وهم من أشرف صحابة رسول الله ﷺ، فاغتر عمرو بن العاص فقال: إن لي مكانة عند رسول الله، لأرجعن إليه فأسأله من أحب الناس إليه وهو متوقع أن يكون هو؛ لأنه أمره، وهذا يبين لك أن الإمامة أو الرياسة أو المقدمة لا تدل على الفضل، والخفاء كذلك لا يدل على الفضل، فهذا عمرو بن العاص بعد ثلاثة أشهر من إسلامه أُمر على أبي بكر وعلى عمر وعلى أبي عبيدة، فقال: (يا رسول الله! من أحب الناس إليك؟ فقال الرسول: عائشة.
فقال: لست عن النساء أسأل، فقال: أبوها) فهذا إظهار بالإطلاق أن أحب الناس إلى رسول الله هو أبو بكر، ولذلك كان النبي ﷺ دائماً يتمدح في صفات أبي بكر ويقول: (واساني بماله وأهله، سدوا عني كل خوخة إلا خوخة أبي بكر).
﵁ وأرضاه.
ويبين لكم عظيم قدر أبي بكر عند رسول الله ما حدث من الدفاع المستميت من رسول الله لصاحبه، حيث إن عمر الفاروق -وعمر هو الذي قال فيه كثير من الصحابة: أعز الله الدين بإسلام عمر ﵁ وأرضاه- كانت بينه وبين أبي بكر مشادة، وكان أبو بكر شديداً فاشتد على عمر، ثم ذهب إليه ليستسمح منه فلم يسامحه، بل قال له: لأستعدين عليك رسول الله ﷺ، ثم ندم عمر فذهب إلى البيت فقال: أثَّم أبو بكر؟ -يعني: هنا أبو بكر؟ - قيل: لا.
فذهب أبو بكر رافعاً عن ثوبه حتى ظهرت ركبته فقال رسول الله ﷺ عندما نظر إلى صاحبه: (أما هذا فقد غامر).
فدخل أبو بكر ﵁ وأرضاه فقص على رسول الله ما كان بينه وبين عمر، فتمعر وجه النبي ﷺ وغضب، وظهر ذلك على وجهه، فلما جاء عمر إلى رسول الله اشتد غضب النبي ﷺ وتمعر وجهه، حتى إن أبا بكر خشي على عمر من غضب رسول الله ﷺ فجثى على ركبتيه وقال: والله! يا رسول الله! كنت أنا أظلم، أنا أظلم يا رسول الله! لأنه الرفيق، ولأنه خير البشر بعد رسول الله، ورسول الله الذي علم الأمة أن ينزل الناس منازلهم، وأن كل صاحب فضل عليه أن يعرف لـ أبي بكر فضله.
فقال النبي ﷺ عندما دخل عمر: (هلا تركتم لي صاحبي).
بشدة وحدة على عمر الفاروق وقال ﷺ: (قد قلتم: كذبت، وقال: صدقت).
وهذا هو الفارق البعيد الذي جعل أبا بكر في الأعالي وجعلهم لا يسبقونه، ثم قال ﷺ: (وواساني بأهله وماله)، كأنه يقول: أنفق علي كل ماله، ثم قال: (سدوا عني كل خوخة إلا خوخة أبي بكر، هلا تركتم لي صاحبي).
فلم ير بعد ذلك من أذية تقع في أبي بكر ﵁ وأرضاه.
وأروع ما ضرب في ذلك: أن بعدها حدثت مشادة -كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي - بين أبي بكر وبين أحد الأنصار، فسب أبو بكر هذا الأنصاري، فقال الأنصاري لـ أبي بكر ﵁ وأرضاه: يغفر الله لك.
قال: اقتص مني.
قال: يغفر الله لك لا أقتص منك.
قال: اقتص مني، وإلا استعديت عليك رسول الله ﷺ.
فقال بعض الأنصار وهم لا يفقهون من أبو بكر يستعدي عليك رسول الله وهو الذي سبك؟ والله! لنأتين معك ولنستعدين عليه رسول الله ﷺ، وكان الأنصاري فقيهاً، فقال: اسكتوا، لا يعلم أبو بكر بكلامكم فيغضب، فيغضب رسول الله لغضب صاحبه؛ فيغضب الله لغضب رسوله فيهلك صاحبكم، فما رد على أبي بكر بعد ذلك من قول قط؛ لمكانة أبي بكر عند رسول الله ﷺ.