شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - محمد حسن عبد الغفار
حسن الخلق وتثقيله للموازين
هذه هي أهم النقاط في مسألة الميزان، وسواء كنا سنوزن أو كانت الأعمال ستوزن، فعلى المرء أن يسارع في تثقيل نفسه حتى يكون عند الله ثقيلاً له الكرامة العظمى يوم القيامة، ويشرف ويكرم على رءوس الخلائق من لدن آدم إلى آخر الخليقة، والفقيه تاجر مع الله جل وعلا، ينظر أعظم شيء يثقل ميزانه فيكثر منه، وقد دلنا النبي ﷺ إلى ذلك، فإنه ما ترك لنا شيئاً إلا وأظهره لنا ودلنا عليه، وأثقل شيء يكون في الميزان كما في الحديث: (أثقل شيء في الميزان حسن الخلق) ولا غرابة في ذلك فإن الله لما شرف النبي امتدحه أمام الخلق أجمعين بصفة أرقى ما تكون ألا وهي حسن الخلق فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، وفي الحديث عن أنس ﵁ وأرضاه قال: (ما رأيت ديباجاً ولا حريراً ألين من يد رسول الله ﷺ، لا والله ما قال لي لشيء أنا فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لم لم تفعله؟ كان النبي ﷺ يقول: لو قدر له لفعل) وكانت عائشة ﵂ وأرضاها تقول: (كان خلقه القرآن)، وبينت أنه من أفضل ما كان فيه من خلق: أنه ما مست يده الشريفة يد امرأة قط، هكذا الخلق يرقى بالإنسان، كما في مسند أحمد أيضاً عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (إن المرء ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) وهو نائم على سريره بحسن خلقه يرتقي إلى درجة الصائم القائم! وحسن الخلق هو إفشاء السلام، وبذل الطعام، وأن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تحسن للناس حتى وإن أساءوا إليك، ومن تمام حسن الخلق الذي يثقل الموازين ذكر الله أكثر من ذكر نفسك وولدك، وروى البيهقي في الشعب -ويظهر على الحديث الوضع-: (اذكروا الله حتى يقولوا: مجنون) إذا رآك الناس وأنت تذكر ربك وأنت نائم وقائم وجالس وما عندك إلا ذكر قالوا عنك: مخبول.
فذكر الله جل وعلا هو أثقل شيء في الميزان بعد حسن الخلق؛ لأن النبي ﷺ نصح الرجل الذي قال: إنه كثرت عليه الشرائع، فقال له: (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله جل وعلا)، وقال ﷺ: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) نسأل الله جل وعلا أن يثقل موازيننا.
آخر ما يستنبط في تثقيل الميزان: الصدقة الجارية، وهي تثقل الميزان، والنبي ﷺ بين أن المرء إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث منها الصدقة الجارية، الصدقة الجارية تثقل الميزان؛ لأن صاحبها بعد مماته تكتب له حسناتها، وعمله ممتد إلى يوم القيامة، فالصدقة الجارية والوقف هو الذي يثقل ميزانك، كما قال النبي ﷺ في الصحيح: (من حبس فرساً له في سبيل الله -يعني أوقفه- فإن بوله وروثه وشبعه وريه في ميزانه)، يعني: في ميزان العبد، حتى البول والروث والطعام والشراب في ميزانه إلى يوم القيامة، فما بالك بمن أوقف مالاً معيناً للمجاهدين، أو لأهل العلم، أو للفقراء أو المساكين، هذه كلها تثقل الميزان يوم القيامة.