Skip to content

دروس للشيخ صالح المغامسي العبرة بمقام العبد عند ربه

دروس للشيخ صالح المغامسي

صالح المغامسي

Printed page ٣٩/ ٨

العبرة بمقام العبد عند ربه

وعظمة القدر كلما جحدها الناس بينها الله جل وعلا بجلاء من حيث لا يشعرون، فنبينا ﷺ في غزوة الحديبية جرى الصلح بينه وبين القرشيين، فأخذ المبعوثون يترددون بينه وبين قريش، وفي كل مرة تبعث قريش رجلاً منها، حتى بعثت سهيل بن عمرو، فقال ﷺ: (لقد سهل أمركم، لقد أراد القوم صلحاً منذ أن بعثوا هذا الرجل).

فلما وضع الكتاب ليكتب واتفق الطرفان على الصلح وكان علي ﵁ كاتب نبينا ﷺ قال له ﷺ: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) فاعترض سهيل وقال: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم، اكتب كما كنا نكتب في الجاهلية: باسمك اللهم.

فرضي ﷺ وكتب: (باسمك اللهم)، ثم قال لـ علي: (اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو)، فقال له سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فرفض علي ﵁ أن يمحو ما قد كتب، فسأله النبي ﷺ عن موضع الكتابة؛ لأنه لا يقرأ لا يكتب، وعلم الله به الجن والإنس.

فبين له علي موضعها فمحاها ﷺ بيده، ثم أمر علياً أن يكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو.

فالذي جحد الرسالة هنا هو سهيل بن عمرو، فأنزل الله جل وعلا خاتمة سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] ولهذا فإن الحاذق من القراء الذي يريد أن يربط في تدبره القرآن بين الآيات يقرأ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] ثم يقف، ثم يأتي بالواو استئنافية ويقرأ: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح:٢٩] لأن في قول الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] رد على من أنكر رسالته وبعثته صلوات الله وسلامه عليه.

وفيما بعده إخبار بأنصاره في الرسالة والمؤمنين الذين آووه ونصروه وجاهدوا ومعه وهاجروا من المهاجرين والأنصار وثناء الله جل وعلا عليهم من قبل في التوراة والإنجيل.

والغاية من هذا كله أن تعلم أن الله جل وعلا لا يضيع عنده عمل عامل كائناً من كان، وأن العبرة بمقامك عند الله جل وعلا، وأنت ترى في طيات حياة نبيك ﷺ ما يدلك على أن العبرة التامة لرفيع مقامك عند الله، ألا ترى أن الخضر وموسى ﵉ استطعما أهل قرية فقال الله: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف:٧٧] فامتنع أهل القرية عن إطعام عبدين صالحين من عباد الله، ولكن هذين العبدين لم يغير ذلك من منزلتهما عند ربهم ﵎ شيئاً.

وكيف تعرف قربك من ربك وعلو منزلتك عنده؟ اعرض نفسك على كتاب الله، يقول الله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤] وكل امرئ حسيب نفسه.