دروس للشيخ صالح المغامسي
نبي الرحمة يوصي أصحابه بالأنصار رضوان الله عليهم
نقول: هذا الموقف الإيماني العظيم لهم ﵃ وأرضاهم بقي في قلبه ﵊ حتى مرض مرض الموت، فلما مرض مرض الموت خرج العباس عم الرسول ﷺ وأبو بكر فمروا على مجلس للأنصار وهم يبكون، فقال العباس وأبو بكر لهم: ماذا يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلسنا من رسول الله ﷺ فبكينا، أي: أنه في مرض الموت ونخاف ألا يتكرر هذا المجلس، فلما دخل الصديق والعباس رضي الله تعالى عنهما على رسول الله أخبراه الخبر هذا في أول المرض، وكان ﵊ أعظم الأوفياء مع هذه الفئة المباركة فصعد المنبر وعليه عصابة وكانت آخر مرة ارتقى فيها النبي ﷺ المنبر فأثنى على الأنصار وأوصى بهم وقال: (اقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم)، ودعا لهم صلوات الله وسلامه عليه، وقال: (إنهم سيقلون كما يقل الملح في الطعام)، وأثنى عليهم خيراً صلوات الله وسلامه عليه، وأخبر أن الموعد الحوض، ونزل عن المنبر وكانت آخر مرة ارتقى فيها المنبر صلوات الله وسلامه عليه كالموصي لهم ﵃ وأرضاهم، والمثبت لقلوبهم لما سيكون بعده صلوات الله وسلامه عليه.
هذا مجمل لبعض الأحداث التاريخية والإيمانية التي مر بها أولئك الرهط الأخيار ﵃ وأرضاهم، وهذا الحديث الذي مر كله حديث إجمالي لا حديث أفراد، وحديث الأفراد: أن هؤلاء القوم نصروا الله ورسوله بلسانهم وسنانهم -يعني سيوفهم- فممن نصر رسول الله بلسانه: حسان بن ثابت: وهو خزرجي من بني النجار، وقد عاش مئة وعشرين عاماً، ستون سنة في الجاهلية، وستون في الإسلام، حتى عمي بصره ﵁ وأرضاه، وهو القائل: عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء يبارين الأسنة مصغيات على أكتافها الأسل الظماء فإما تعرضوا عنا اعتمرنا فكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لجلاد يوم يعز الله فيه من يشاء وجبريل أمين الله فينا وروح القدس ليس له كفاء.
وقد كان النبي ﷺ يقول له: (اهجهم وروح القدس معك)، ولما أراد أن يهجو حسان أبا سفيان بن الحارث، وهو ابن عم رسول الله ﷺ، وقلنا: إنه أحد الخمسة الذين يشبهون النبي ﷺ في هيئتهم، فلما أراد أن يهجوه قال له النبي ﷺ: (كيف تهجوه وأنا منه؟)، قال: لأستلك منهم أي: من بني عبد مناف كما تستل الشعرة من العجين، قال: (اذهب إلى أبي بكر فإنه أعلم بأنساب قريش)، فأخذ أبو بكر يعلم حسان أنساب قريش حتى لا يقع حسان في نسب يدل على النبي ﷺ، ولذلك كان يهجو بني عبد الدار، ويتجنب بني عبد مناف جملة: أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء إلى أن قال: وعبد الدار سادتها الإماء ومنهم كذلك: سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه، وهذا سعد اهتز عرش الرحمن عند موته؛ فرحاً بصعود روحه ﵁ وأرضاه، ورغم كل المجد الذي تسمعه عن سعد فإنه مات وعمره ستة وثلاثون سنةً بنى فيها كل هذا المجد، وكان رجلاً سيداً في الأوس، كما كان سعد بن عبادة سيداً في الخزرج، ولما تمت بيعة العقبة سمعت قريش منادياً ينادي: فإن يسلم السعدان يصبح محمد بمكة لا يخشى خلاف المخالفِ يقصد بالسعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وأهديت له ﷺ قطيفة من حرير، فأخذ الصحابة يتعجبون منها فقال ﵊ -وهذا بعد موت سعد - قال ﵊: (لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أفضل من هذا)، فهو أحد الصحابة الكبار المشهود لهم بالفضل، وقد شهد النبي ﷺ دفنه وسابق إليه خوفاً من أن تسابقه الملائكة أو تسبقه إلى دفن سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه.
ومن سادتهم كذلك: أبي بن كعب، وهو أحد الأربعة الذين أمر النبي ﷺ بأن يأخذ القرآن منهم، وبقية الأربعة هم: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب هو الرابع، وهو الذي قال له النبي ﷺ: (إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة: لم يكن الذين كفروا)، فالله ﷻ يأمر نبيه ﵇ أن يقرأ سورة البينة على هذا الصحابي الجليل سيد القراء: أبي بن كعب ﵁ وأرضاه.
ومنهم ﵃ وأرضاهم: معاذ بن جبل، وقد مات بعد الثلاثين بقليل، وأظنه في الأربع والثلاثين، وهو أعلم الصحابة بالحلال والحرام، قال ﵊: (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل)، وكان رجلاً سخياً أهلكه الدين حتى اشتكاه دائنوه إلى النبي ﷺ فحجر عليه؛ لأن الحدود الشرعية ليس لها علاقة بفضل الرجل وبكرمه، ثم رق له وبعثه إلى اليمن معلماً، وفي نفس الوقت جابياً للزكاة حتى يكون له منها نصيب، قال تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:٦٠]، وهذا من رحمة رسول الله ﷺ به، وقد مات النبي ﷺ وهو في اليمن فقدم المدينة ودخل المسجد وبكى تذكراً لنبينا صلوات الله وسلامه عليه، وقد مات ﵁ في طاعون عمواس في الشام.
ومنهم: سعد بن عبادة سيد الخزرج، الذي مرت معنا قصته قبل قليل، فقد سكن الشام في أواخر حياته ومات فيها ﵁ وأرضاه.
ومنهم: أبو دجانة، وقد مرت معنا مواقفه الشهيرة.
أما بيوتهم: فقد ذكرنا بني النجار وتحدثنا عنهم، أما بنو عبد الأشهل: فهم القوم الذين منهم سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه، وقد صلى النبي ﷺ صلاة المغرب ذات يوم في بني عبد الأشهل، فلما سلم انصرف من صلاته، فقاموا يتنفلون ويصلون ركعتي المغرب، وكل منهم يأخذ سارية أو مكاناً في المسجد يصلي فيه، فنظر ﷺ إليهم وقال: (هذه صلاة البيوت)، أي: ركعتا المغرب الأفضل أن تؤدى في البيت، قال: (هذه صلاة البيوت يا بني عبد الأشهل!)، لكن لا يعني ذلك: أنه لا يجوز أداؤها في المسجد، لكن إذا أستطاع المرء أن يؤديها في البيت فهو أفضل وأكثر اتباعاً وإذعاناً للسنة، هذا مجمل ما يمكن أن يقال عن الأنصار، ولعل في الإجابة عن أسئلتكم ما يوضح كثيراً مما تركناه.
عموماً نقول: إن المقصود من مثل هذه الدروس أمور عدة، لكن أعظمها: الحرص على اتباعهم ﵃ وأرضاهم كما قال الله في مدح تابعيهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، والمعنى الإجمالي للتابعين بإحسان أي: اتبعوهم بإخلاص، واتبعوهم بأن صاروا على نهج بين وطريق واضح في اتباع سنة الله جل وعلا، واتباع سنة رسوله في إتباع كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.