Skip to content

شرح سنن أبي داود للعباد شرح حديث وضوء النبي ﷺ ثلاثا ثلاثا

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Printed page ٢٣/ ٣

شرح حديث وضوء النبي ﷺ ثلاثاً ثلاثاً

قال المصنف رحمه الله تعالى [باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً.

حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء)].

أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة: [باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً].

يعني: كونه يتوضأ ويغسل الأعضاء ثلاثاً ثلاثاً، وقد سبق أن مر جملة من الأحاديث التي تدل على هذه الترجمة، وأن الرسول ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ولكن ذلك في غير الرأس؛ لأنه يمسح مرة واحدة ولا يكرر فيه المسح، فالمقصود من الترجمة ذكر أعداد الغسلات التي تكون في الوضوء وأنها ثلاث، وهذا هو الحد الأعلى، ولهذا أتى بترجمة الوضوء ثلاثاً، والوضوء مرتين، والوضوء مرة؛ لأن الأحاديث وردت في هذه الأمور الثلاثة، فيجوز الوضوء إما ثلاثاً وإما مرتين وإما مرة، والكمال والحد الأعلى هو الثلاث والثنتان متوسطة، والواحدة هي المجزئة وهي الحد الأدنى.

وقد أورد أبو داود ﵀ حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي ﷺ جاءه رجل وقال: يا رسول الله! كيف الطهور؟) يعني: كيف يتوضأ الإنسان؟ والطُهور بالضم؛ لأن المراد به الفعل الذي هو الوضوء، فالرسول ﷺ دعا بماء وتوضأ والسائل يراه وينظر إليه.

وهذا فيه بيان السنن بالفعل، وقد جاء عن عدد من الصحابة أنهم توضئوا والناس يرون وضوءهم؛ لأن قدوتهم في ذلك رسول الله ﷺ كما جاء في هذا الحديث؛ لأنه لما سأله رجل طلب ماءً يتوضأ فتوضأ وذلك الرجل ينظر إليه، وقال: (إن هذا هو الطهور) فما جاء عن الصحابة ﵃ وأرضاهم من التوضؤ أمام الناس إنما قدوتهم في ذلك رسول الله ﵊ كما جاء في هذا الحديث.

قوله: [(ودعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثاً)].

يعني: قبل أن يبدأ بالوضوء، وهذا مقدمة الوضوء، وليس غسل اليدين من فروض الوضوء، وإنما يبدأ بتنظيفهما قبل أن يدخلهما في الإناء، وقد ذكرنا أن هذا مستحب إلا إذا علم أن في اليد نجاسة فيجب غسلها، وإلا إذا كان الإنسان قائماً من نوم الليل فإنه يجب عليه أن يغسل يديه ثلاثاً قبل إدخالها الإناء، وأما في غير ذلك فيكون الأمر مستحباً، والرسول ﷺ عندما توضأ أفرغ على يديه وغسلهما ثلاثاً.

قوله: [(ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه فأدخل إصبعيه السباحتين في إذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه)].

ذكر المسح على الرأس، ولم يذكر عدداً فيه، وقد ذكر أنه غسل غيره ثلاثاً ثلاثاً، وبين كيفية المسح، وأن الأذنين من الرأس، وقد مسحهما بهذه الكيفية حيث أدخل السباحتين -وهما السبابتان- في أذنيه ومسح بهما داخل أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه، فهذا فيه بيان كيفية مسح الأذنين، وأن السبابتين يمسح بهما داخلهما والإبهامين يمسح بهما خارجهما.

قوله: [(ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء)].

يعني: أنه بعدما توضأ والسائل وغير السائل يرون قال بعد ذلك: (هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم)، وهذا يدلنا على أن الزيادة على الثلاث لا تجوز، وأنها إساءة وعدوان وظلم، وأنه يجب الاقتصار على الثلاث.

لكن يبقى الإشكال بذكر النقص؛ لأنه قد جاء عن النبي ﷺ أنه توضأ مرتين مرتين، وتوضأ مرة مرة، والحديث الذي معنا فيه: (توضأ ثلاثاً ثلاثاً)، فهذا فيه إشكال، فمن أهل العلم من قال: إن ذكر النقص شاذ؛ لأنه مخالف للروايات الأخرى، ومنهم من قال: إن المراد به فيما إذا نقص عن مرة واحدة بحيث إن بعض الأعضاء لم يصل إليها الماء، أو بقي شيء يسير من عضو من الأعضاء لم يصل إليه الماء؛ فإن هذا فيه إساءة وظلم؛ لأنه لم يحصل بذلك الوضوء، وأما إذا توضأ الإنسان مرة واحدة مستوعبة ولا يبقى شيء لم يصل إليه الماء من أعضاء الوضوء -وكذلك المرتان- فهذا ليس من الإساءة، بل جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ، ففي أحاديث كثيرة جاء: أنه توضأ مرة مرة، وجاء: أنه توضأ مرتين مرتين، وفي بعضها: أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً.

فذكر النقص إما أن يكون شاذاً أو يكون المراد به حصول التقصير في وصول الماء إلى بعض الأعضاء.

وعلى هذا يستقيم ذكر النقص.