Skip to content

تفسير القرآن الكريم - المقدم تفسير قوله ﵎: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك)

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Printed page ٥٠/ ٢٥

تفسير قوله ﵎: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك)

قال ﵎: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣].

قوله: (قد نعلم إنه ليَحزنك) أو (إنه ليُحزِنك) بفتح الياء وضمها (الذي يقولون) يعني: الذي يقولونه فيك من أنك كاذب أو ساحر أو شاعر أو مجنون.

وهذه الآية من الآيات العظيمة في فضائل النبي محمد ﷺ، ومن أعظم الآيات في خصائص الرسول ﵇ وبيان فضائله وعلو مقامه عند الله ﷿؛ لأن الله ﷾ يسلِّي نبيه ﵊ بأنه هو الصادق الأمين ﵊، ويبين أنه يعرف كيف تتأثر نفسه الشريفة ويحزن قلبه ﵊ إذا وصف بأنه كاذب على الله، كما قال: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون) أي: نحن نعرف أنك تتألم أشد الألم حينما يصفونك بالكذب، فيواسيه الله ﷾، والله هو الذي يطلع على قلوب هؤلاء الكفار، فيقول له: (فإنهم لا يكذبونك) أي: لا تجزع، فهم يعتقدون في قلوبهم أنك صادق، لكن يجحدون الحق في الظاهر، وهم يعتقدون صدقك، فيواسيه بأنك لا تتألم حينما يصفونك بالكذب؛ لأنهم في الحقيقة لا يكذبونك، فهم يعرفون صدقك، لكن ما يظهرونه هو عبارة عن جحود في الظاهر، وهم يصدقونك في الباطن، وهذا من أعظم المواساة للنبي ﵌.

فانظر كي تعرف مكانة النبي ﵊ عند الله ﷿، وتأمل جيداً في مثل هذه الآيات (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون) وانظر إلى الشفقة والرفق والتلطف بالرسول ﵊، والمواساة والتسلية له (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون).

يقول أبو السعود: استئناف مسوق لتسليته ﷺ عن الحزن الذي يعتريه، مما حكي عن الكفرة من الإصرار على التكذيب والمبالغة فيه؛ لبيان أنه ﷺ بمكانةٍ من الله ﷿، وأن ما يفعلونه في حقه فهو راجع إليه تعالى في الحقيقة، وأنه ينتقم منهم أشد انتقام.

وقوله: (نعلم) هنا المقصود التحقيق وتأكيد علم الله ﷾ بوقوع ما يقولون.

يقول أبو السعود: وهذا يفيد بلوغه ﷺ في جلالة القدر، ورفعة المحل، والزلفى من الله ﷿ إلى حيث لا غاية وراءه، حيث لم يقتصر على جعل تكذيبه ﵊ تكذيباً لآياته ﷾ على طريقة قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، بل نفى تكذيبهم عنه، وأثبته لآياته تعالى على طريقة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠] إيذاناً بكمال القرب واضمحلال شئونه ﵊ في شأن الله ﷿، وفيه استعظام لجنايتهم منبه عن عظم عقوبتهم، وقيل: المعنى: فإنهم لا يكذبونك بقلوبهم، ولكن يجحدون بألسنتهم عناداً ومكابرة، وقد روي عن علي قال: قال أبو جهل للنبي ﷺ: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به.

فأنزل الله: (فإنهم لا يكذبونك) إلى آخر الآية.