تفسير القرآن الكريم - المقدم
معنى قوله: (قد يئسوا من الآخرة)
قوله: ((قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ)) يعني: قد يئسوا من جزاء الآخرة؛ لأنهم كذبوا بها، ولذلك طغوا وبغوا وعاثوا، فإذا قلنا: إن الذين غضب الله عليهم هم اليهود، فاليهود قد يئسوا من الآخرة؛ لأنهم بتكذيبهم للنبي محمد ﵊ قد يئسوا من أن يكون لهم في الآخرة خير؛ ولذلك طغوا وبغوا وعاثوا.
وقوله: ((غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) صفة لـ (قوماً) في محل نصب، وقوله: ((قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ)) صفة ثانية.
وقيل: ((قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ)) يعني: من جزاء الآخرة، ((كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ)) أي: كما يئس سلفهم من إخوانهم الكفار المقبورين، يعني: أنهم على شاكلة من قبلهم، وكل مؤاخذ بكفره.
وقيل المعنى: كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا، وقيل: كلاهما ييئس من جزاء الآخرة.
وقيل: إن كلمة (يئس) مرتبطة بحرف (من)، أي: أن الكفار الأحياء يئسوا من أصحاب القبور؛ لأنهم هم الذين يقولون: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] فلا آخرة ولا بعث ولا نشور بزعمهم.
وعلى القول بأن المعنى: كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا، يكون في الآية وضع الظاهر موضع المضمر، أي: قد يئسوا من الآخرة كما يئسوا من أصحاب القبور، لكن آثر المظهر على المضمر فقال: ((كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ))؛ لكي يثبت عليهم صفة الكفر، وأيضاً ليبين لهم ما هو الشيء الذي اقتضى الغضب عليهم، وهو الكفر.
وهذا آخر ما تيسر في تفسير سورة الممتحنة.